رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

شيفرة «المعز»

قسم : مقالات
الجمعة, 21 أغسطس 2026 11:14

 

 

منذ مرحلة مبكرة أدرك «المعز لدين الله»، أول خليفة فاطمى لمصر، أهمية الصورة الذهنية للحاكم فى مخيلة المحكوم، وضرورة أن تتأسس على سلسلة من السمات، التى تمزج بين الهيبة والخوف منه، والإجلال والاحترام، والانبهار بشخصه، والتطلع إلى عطائه. وعندما وصل إلى مصر سنة 362 هجرية لم يخرج إلى المصريين مباشرة، بل مكث فى قصره عدة أيام يستعد لبناء الصورة التى سيطل بها على المصريين.

يقول «ابن ثغرى بردى» فى «النجوم الزاهرة»: «ولما دخل المعز إلى القاهرة احتجب فى القصر، فبعث عيونه ينقلون له أخبار الناس، وهو متوفر فى النعم والأغذية المسمنة، والأطلية التى تنقى البشرة وتحسن اللون، ثم ظهر على الناس بعد مدة، وقد لبس الحرير الأخضر، وجعل على وجهه اليواقيت والجواهر تتلألأ وتلمع كالكواكب، وزعم أنه كان غائباً فى السماء، وأن الله رفعه إليه، فامتلأت قلوب العامة والجهال منه رعباً وخوفاً».

المعز لدين الله كان يفهم جيداً سيكولوجية الشعوب، ويعرف كيف يخضعها بـ«شيفرته الخاصة»، ويدرك أن أولى خطوات الإخضاع تتمثل فى بناء الصورة المهيبة المخيفة، التى تمزج بين أمارات القوة على الأرض، وأولها الصحة والعافية والتى تتحقق بالأطعمة الفاخرة المغذية التى تنعكس على صحة الشخص، وتظهر مؤشراتها فى امتلاء البدن وقوة البنيان، ونضارة الوجه والبشرة من خلال ما يتم دهان الجلد به من خلطات تُحسّن اللون، والأهم من ذلك الضغط على أعصاب المجموع وتركه مدة للخيال أو لكى يرسم فى ذهنه صورة للحاكم الذى ينتظر أن يراه، ثم يفجأه بعد ذلك بتلك الطلة القوية المهيبة.

وإلى جوار أمارات القوة على الأرض، هناك أمارات القوة فى السماء، وقد حققها «المعز» من خلال التلاعب بمشاعر المجموع الجاهل، وإيهامهم بأنه ما تأخر عنهم إلا لأنه كان فى ضيافة الله، وأن الخالق العظيم قد رفعه إليه، وقد تسأل كيف يمكن لأى مجموع مسلم، أياً كانت درجة جهله، أن يتقبل مثل هذه التخاريف، أقول لك إن المجموع ينقاد للأساطير ويميل إلى تصديقها أكثر من ميله إلى تصديق الحقائق العقلية.

هذا المجموع يصدق فى كرامات الأولياء وخدع الدجالين أكثر مما يصدق فى أى شىء.

هذه الطريقة فى الأداء يستفيد منها بعض حكام العصر، خصوصاً هؤلاء الذين يتعمدون رعاية أجسامهم، وشعرهم، وصيانة بشرتهم، والاستفادة من كل ما يؤدى إلى نضارة وجوههم، كى يظهروا شباباً أمام الجمهور، ويرتدون أقيم الثياب وأغلاها، ويرسمون لأنفسهم صورة تؤكد قربهم من الله، ورعاية الله وحفظه لهم، وهكذا.

ولا يعلم كثيرون أن الفضل يعود إلى الفاطميين وللخلفاء الفاطميين فى التأسيس لهذه الطريقة فى الأداء.

يقول: «ابن ثغرى بردى»: «وكان المعز عاقلاً حازماً أديباً جواداً، فيه عدل وإنصاف للرعية»، وهذه الصفات كانت كفيلة بإخضاع الرعية، خصوصاً أنها كانت تتكامل مع ما تمتع به الرجل من قوة وهيبة ظاهرة ورسوخ أسطورة لدى العوام بأنه محسوب على الله، وأن الله معه وضد أعدائه، فماذا يريد الموجوعون بالقهر السياسى والسلب المالى أكثر من خليفة أو والٍ، يتمتع بالعقل والحزم، والعطاء، والعدل مع الرعية.

وقد مات المعز لدين الله الفاطمى سنة 365 وله من العمر 46 سنة، لكن شيفرته فى التعامل مع الشعوب لم تمت!

 

Rochen Web Hosting