هل تدفع الحرب إيران إلى امتلاك السلاح النووى؟
مع تصاعد الأعمال العسكرية الأمريكية ضد إيران، واستهداف بنى تحتية إيرانية، إلى جانب قدراتها العسكرية، باتت فرضية امتلاك إيران سلاحًا نوويًا مطروحة داخل إيران، وليس خارجها فقط.
ومع تصاعد مشاعر الثأر والرغبة فى الرد على الضربات التى تعرضت لها إيران، يصبح التشدد خيارًا أقرب من المرونة. فالولايات المتحدة تؤكد دائمًا أنها ستثأر لمقتل أى جندى أمريكى، فكيف يمكن لإيران أن تتعامل مع اغتيال مرشدها الأعلى والصف الأول من قادتها وكأنه حدث عابر يمكن تجاوزه؟ من الصعب تصور أن تمضى الأمور وكأن شيئًا لم يكن، أو أن تتعامل طهران مع واشنطن بالطريقة التى تعاملت بها اليابان مع أمريكا بعد ضربها بالقنابل النووية!!.
فى مارس ٢٠٢٣، صرح رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية، مارك ميلى، أمام لجنة شؤون القوات المسلحة فى مجلس النواب الأمريكى، بأن إيران تمتلك كل ما تحتاج إليه لصنع سلاح نووى خلال عدة أشهر إذا اتخذت القرار السياسى، وأنها قادرة على إنتاج كمية كافية من المواد اللازمة للسلاح النووى فى أقل من أسبوعين.
لجوء الولايات المتحدة إلى الخيار العسكرى بدلًا من المسار الدبلوماسى أدى إلى زيادة التوتر وزعزعة الاستقرار فى إيران والمنطقة. وقد يشكل ذلك حافزًا للنظام الإيرانى لإعادة النظر فى عقيدته النووية، والتخلى عن فتاوى الخمينى وعلى خامنئى التى كانت تحرم امتلاك السلاح النووى، إذا ما رأى أنه يواجه خطرًا وجوديًا.
(٢) حسابات الحلفاء
رغم التحالف الذى يجمع روسيا والصين بإيران، فإن البلدين لا يرغبان فى رؤية إيران قوة نووية. فامتلاك طهران هذا السلاح سيغير موازين القوى فى الشرق الأوسط، وسيفرض واقعًا جديدًا قد يضر بعلاقتهما ومصالحهما مع دول الخليج، وهى مصالح لا تقل أهمية عن علاقاتهما مع إيران.
فى المقابل، لم تنتظر إسرائيل اندلاع الحرب حتى تتحرك. فمنذ سنوات وهى تخوض حربًا استخباراتية مفتوحة ضد البرنامج النووى الإيرانى، استهدفت فيها العلماء والمنشآت النووية، فى محاولة لإبطاء البرنامج وتأخير وصوله إلى مرحلة إنتاج السلاح، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن إيران النووية تمثل تهديدًا وجوديًا لها.
أما أمريكا والدول الغربية، فقد اعتمدت سياسة العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية لمنع إيران من تطوير برنامجها النووى. ونجحت إدارة أوباما فى التوصل إلى اتفاق عام ٢٠١٥، وضع البرنامج الإيرانى تحت رقابة دولية مشددة. لكن انسحاب ترامب من الاتفاق أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر، وأغلق باب الدبلوماسية الذى كان يمكن البناء عليه، فاتجهت الأمور نحو التصعيد بدلًا من الاحتواء.
(٣) إلى أين تتجه المنطقة؟
إذا امتلكت إيران السلاح النووى، فهل ستقف دول مثل مصر وتركيا والسعودية مكتوفة الأيدى؟ من الصعب تصور ذلك. فاختلال توازن القوى سيؤدى إلى سباق تسلح إقليمى ستكون كلفته باهظة.
صحيح أن السلاح النووى ظل، منذ الحرب العالمية الثانية، أداة ردع أكثر منه سلاحًا للاستخدام، لكن مجرد امتلاكه يغير قواعد اللعبة.
الحروب لا تمنع انتشار الأسلحة النووية، بل قد تدفع بعض الدول إلى امتلاكها باعتبارها ضمانة للبقاء. وإذا كان الهدف من الضغوط العسكرية الأمريكية منع إيران من الوصول إلى السلاح النووى، فإن استمرار الحرب قد يقود إلى العكس، ويجعل قرار امتلاكه أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى.
الرهان على القوة وحدها يبدو رهانًا محفوفًا بالمخاطر. وفى منطقة لا تحتمل المزيد من الصراعات، يبقى الحل الدبلوماسى أقل الخيارات كلفة، وأكثرها قدرة على منع سباق نووى لن يصب فى مصلحة أحد.



