اتصلت بأبي ولم يُجِب
كلما تقدم بنا العمر، اكتشفنا أن الحنين ليس اشتياقًا إلى الأماكن بقدر ما هو اشتياق إلى الأشخاص الذين كانوا يملأونها بالحياة. أشتاق إلى طفولتى، إلى منزلنا القديم فى وسط البلد، إلى جيراننا، إلى أصحابى ورفاق المدرسة، وإلى وجوه كثيرة رحلت فجأة دون أن تمنحنا فرصة للوداع. أشتاق إلى أبى وأخى، إلى أعمامى وأخوالى وخالاتى وأجدادى.. أشتاق إلى زمن كان فيه كل هؤلاء حولى، وكنت أظن، بسذاجة الطفولة والشباب، أنهم سيبقون إلى الأبد. منذ أيام وجدت رقم تليفون منزلنا القديم. لا أعرف لماذا اتصلت به. ربما أردت أن أطمئن على طفولتى!
رن الهاتف طويلًا ولم يجب أحد. ظللت أستمع إلى الرنين، وفى داخلى إحساس غريب بأن أحدًا من زمان سيأتى مسرعًا ليرفع السماعة، وأننى سأسمع صوتًا أعرفه يقول: «آلو».. لكن أحدًا لم يجب. والأغرب أننى بعدها، ودون وعى، اتصلت برقم آخر. انتظرت فوجدته مغلقًا. نظرت إلى الرقم، وفجأة اكتشفت أنه رقم أبى!
أبى الذى رحل، بينما رقمه ما زال يسكن هاتفى وذاكرتى وقلبى.
لكن الأصعب من الاشتياق إلى من رحل، أن تخاف على من بقى. أن تنظر حولك فتكتشف أن دائرة العمر تضيق، وأن «ريحة زمان» لم تعد بيتًا قديمًا أو شارعًا أو رقم تليفون، بل أصبحت وجوهًا قليلة جدًا، تخشى عليها من الغياب. ومن بين كل الوجوه، بقى لى أحمد وعبد الحميد. ليسَا مجرد صديقين. هما قطعتان من عمرى. شهدا معى المدرسة والشباب، وعرفا أحلامى الأولى، وعاشا أفراحى وانكساراتى، وكبرنا معًا عامًا بعد عام. هناك أصدقاء نلتقى بهم فى مرحلة من حياتنا، وهناك أصدقاء يصبحون هم أنفسهم جزءًا من حياتنا وذاكرتنا.. وهكذا كان أحمد وعبد الحميد بالنسبة لى.
أحمد، طبيب الأطفال، لم يكن فقط صديقى، بل كان واحدًا من أهل بيتى. عاش معى ميلاد أبنائى وطفولتهم. كم رفعت سماعة الهاتف مذعورًا أقول له: «الحقنى يا أحمد.. ياسمين سخنة»، أو «تعالى يا أحمد.. شريف بيكح». وكان يأتى، ويطمئننى، ويعيد الهدوء إلى قلبى قبل أن يعيده إلى البيت. مرت السنوات، وكبر أبنائى، وكبرنا نحن أيضًا. ثم مرض أحمد بالسرطان. يا لقسوة تبدل الأدوار! أحمد الذى كنت أستنجد به كلما مرض أحد أبنائى، أصبحت أنا عاجزًا أمام مرضه. هو الذى كان يخفف خوفى، لم أعد أملك له إلا أن أتصل به كل يوم، أسمع صوته، وأطمئن عليه، وأدعو الله فى سرى أن يخفف ألمه ويمنحه القوة. وبينما قلبى مع أحمد، جاءتنى منذ أيام رسالة من عبد الحميد. عبد الحميد، رفيق العمر الآخر، الذى يحمل معى صندوقًا كاملًا من الذكريات التى لا يعرفها سوانا. فتحْت رسالته فوجدته يقول لى: «إزيك يا حبيبى.. أنا الحمد لله.. جالى سرطان.. أنا راضى يا عمرو.. الحمد لله».



