«لسه أجمل يوم ما جاش»
مع العائلة احتفلنا بعيد ميلاد حفيدتى ندى، وكتبوا على التورتة: «لسه أجمل يوم ما جاش» وانبسطت جدًا من هذه الجملة التى غيرت مزاجى الذى كان متعكرًا، واجتاحتنى موجة من التفاؤل أرجو أن تستمر. أخذت أفكر فى مستقبل أحفادى، فبالرغم من حبهم لمصر وارتباطهم بها، إلا أننى لا أعتقد أنه نفس ارتباطى أو ارتباط هنا ومنى ابنتىَّ، لا أدرى هل هو تأثير العولمة، أو تأثير التعليم فى مدارس أجنبية، إنهم يتحدثون العربية بطلاقة ويفهمون ثلاثة أرباع النكات المصرية ويحفظون بدرجات متفاوتة أغانى المهرجانات، وهى أكثر وأهم شىء يربطهم بالموسيقى والغناء المصرى. هم يجيدون العربية والإنجليزية والسويدية، واثنان منهم يجيدون الفرنسية أيضًا.
تخرجت واحدة معمارية من بريطانيا والأخرى من كلية الاقتصاد البريطانية العريقة ولكنها متفرغة الآن لفن الرسم كحرفة ومهنة. واثنان تخرجا فى طب قصر العينى حديثًا، ولا أعلم ما هو مستقبلهما، هل سوف يتركان مصر أم يعيشان فيها. حين تركت مصر، وأنا فى منتصف العشرينيات للهجرة وقررت العودة تاركًا فرصًا عظيمة، وعدت إلى وطن مهزوم قبل حرب ١٩٧٣، لسبب وحيد وهو أننى لم أستطع العيش فى شمال أوروبا وأمريكا وأسمع أخبارًا كلها «زفت» عن مصر فى فترة حرب الاستنزاف. هل أحفادى والأجيال الجديدة عندها نفس الالتصاق بالوطن؟ كنا نعلم مدى الصعوبات فى الحياة فى مصر، وعدم ضمان أى شىء فى ظروف صعبة اقتصاديًا وسياسيًا، ولم تكن العودة بسبب أى مشاكل وإنما كانت لأسباب نفسية لا أستطيع أن أشرحها، ولكننى لا أستطيع أن أعيش إلا وأنا مواطن مصرى.
خمسة من أولاد وأحفاد إخوتى شباب صغير كلهم هاجروا بين كندا وأمريكا وفرنسا وألمانيا. أصدقائى ومعارفى أولادهم وأحفادهم يدرسون فى ألمانيا وفرنسا، وكلتا الدولتين توفر تعليمًا مجانًا للطلبة المتفوقين، والكثير من هؤلاء التلاميذ النجباء لن يعودوا لمصر.
الأسباب واضحة: الظروف الاقتصادية صعبة، ولا توجد أمور تشجع على تحسن هذه الظروف. والوطن فى أزمة حقيقية، ولا يبدو أنه سوف يخطو خطوة واحدة تجاه الحداثة واللحاق بالمستقبل.
الشباب المصرى المتعلم تعليمًا متميزًا يستطيع أن ينافس فى أى مكان فى العالم ويترك مصر للعمل فى الخارج وينتهى الأمر بهجرة نهائية، وهناك عائلات انتقلت إلى الخليج بضع سنوات وانتهى الأمر بها مهاجرين فى كندا أو أمريكا وأحيانًا أستراليا وحتى نيوزيلندا، وبعض الشباب أصحاب المشروعات الجديدة بسبب بعض الصعوبات وجد ترحيبًا فى السعودية، ويقال إن أكثر من ألف انتقلوا بأعمالهم إلى هناك. وبعض الشباب يبقى فى مصر ليعمل فى البيزنس العائلى أو بيزنس الأصدقاء، ومعظم هؤلاء الشباب الباقين يعيشون فى قوقعة فى مجتمعات مغلقة ولغتهم مختلفة وقراءتهم وثقافتهم مختلفة.
هجرات المجموعات المتعلمة تعليمًا راقيًا وعندهم مواهب وذكاء خسارة فادحة لمصر، ومن غير المنطقى أن نقوم بتطفيش خيرة الشباب وأكثرهم قدرة على الإبداع.
بعض هؤلاء الشباب يحب الوطن ولكنه لا يستطيع أن يتعايش مع عموم الشعب بسبب الفروق الثقافية والاقتصادية الرهيبة، فإما أن يهاجر أو يعيش فى قوقعة. النتيجة هى هجرة الشطار والمفكرين والقادرين على الابتكار. مثال هام هو هجرة الأطباء، فمن يهاجر منهم ويتم قبوله فى أوروبا أو أمريكا هو طبيب شاب نابغ تفوق فى الثانوية العامة وفى دراسة الطب وتلقى تدريبًا متميزًا، ونجح بسهولة فى الامتحانات اللازمة للعمل فى الغرب، وهم أطباء كثيرون. الآن ومع بداية تخرج أعداد ضخمة من الأطباء عديمى الموهبة وضعيفى التعليم وبدون تدريب ولا يمكنهم العمل والهجرة إلى الغرب ولن تقبلهم دول الخليج للعمل سيكونون هم الأطباء الذين يعالجون الأغلبية العظمى من المصريين.
مصر بلد جميلة وحلوة وناسها طيبين ولاقوا الكثير من الظلم والقهر تارة بدول محتلة وتارة بحكامها الظالمين. وموقع مصر الجغرافى المتميز يسبب لها أيضًا مشاكل. حرب إيران مع أمريكا وإسرائيل أدت إلى أضرار اقتصادية ونفسية فى دول الخليج، ولكن الكثيرين لا يعلمون أنها أدت إلى أضرار كبيرة بمصر. علمت من مدير أحد فنادق مصر التاريخية التى نسبة إشغالها كانت ١٠٠٪ طوال العام، أنها منذ الشتاء الماضى كانت بين ٣٠٪ و٤٠٪، فما بالك ببقية الفنادق. السائحون يخافون من خيالهم، ومجرد حرب فى الخليج تجعل الكثيرين يعتبرون مصر بلد مخاطر. صديقة مرشدة سياحية أخبرتنى أمس بأنه حدث إلغاءات فى حجوزات سياحية معها بسبب حادث دمياط، بالرغم من أنه بعيد تمامًا عن جميع المناطق السياحية فى مصر. وأدت حرب الخليج إلى ارتفاع ثمن البترول والغاز، وهو ما يؤثر على اقتصاد مصر والمصريين جميعًا. بالأمس انتابتنى حالة من القلق وقلة النوم، بعضها راجع لأسباب شخصية، وبعضها راجع للقلق على مصر وعلى المصريين، وخوف من المستقبل على الأجيال القادمة، ومشاعر غامضة عن مخاطر خارجية على الوطن. أفكر فى نهر النيل وسد إثيوبيا الذى لم يؤثر على مصر حتى الآن بسبب الفيضان العالى منذ بناء السد، ولكن يبدو من التقارير الأولى أن هناك جفافًا فى فرع النيل الأزرق فى السودان، وأرجو أن تتمكن الدولة المصرية من إيجاد حل لتعنت إثيوبيا فى هذا الأمر الحيوى لمصر.
أفكر فى ديون مصر، وكيف يمكن سدادها أو التخلص من جزء منها لأن هذه الديون تؤثر بشدة على ما يتم صرفه على التعليم والصحة والمشروعات المهمة.
عندى قلق مما يحدث فى المنطقة من حروب، ومما يحدث فى الضفة الغربية، ومن التطلعات الإسرائيلية فى التوسع.
عندى خوف من تغيير معالم مصر التاريخية والثقافية، والتى تتأثر بالهدم والإزالة بدون أخذ رأى الخبراء والمثقفين، وهذا فيه خطورة شديدة مستقبلية على الهوية المصرية التى جزء منها الجغرافيا والتاريخ والتراث. سعدت أننى قرأت على التورتة مساء أمس «لسه أجمل يوم ما جاش» فاستطعت النوم بهدوء بعد أيام من القلق.



