شهر من الحصار.. لا سلام.. لا استسلام!
وليل كموج البحر أرخى سُدولهُ، بعد شهر من الحصار الأمريكى للموانئ الإيرانية فى الخليج العربى، مرَّ على العالم بطيئًا ثقيلًا، مثل دهر، أمد ممتد، بين تهديد ووعيد، لا يزال الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يهدد بسحق الحضارة الإيرانية، وإعادتها إلى العصر الحجرى، والحرس الثورى يهدد بمقبرة للغزاة الأمريكيين فى مضيق هرمز، والعالم يرقب المشهد واجفًا حذرًا من تجدد الحرب، ويبذل مساعيه الحثيثة لإيقاف عجلتها المتسارعة بعد استنفاد فرص السلام.
لم تكن هناك حرب جيدة قط.. ولا سلام سيئ، لم تكن الحرب الإيرانية فى جولتها الأولى جيدة قط، حصادها المر عالق فى الحلوق، خلَّفت آثارًا مدمرة ستدفع ثمنها الأجيال القادمة، لم تحقق طموحات الرئيس الأمريكى ترامب فى إسقاط النظام، وتدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، وكبح جماح البرنامج النووى، بل لم ترهب الحرس الثورى الذى بات يزهو بسيطرته على مضيق هرمز (المحاصر).
نعم، لا تزال هناك فرصة سانحة للسلام، والسلام جيد، ليس هناك سلام سيئ، فقط النوايا سيئة، النوايا الخبيثة تمهد الطريق إلى جحيم الحرب، والحرب مهلكة، وتداعياتها على السلم العالمى مقلقة لسلاسل الإمداد، فضلًا عن الارتفاع الجنونى لأسعار الطاقة وما تخلفه من أزمات لا قِبَل للعالم بها، ويخشى استدامتها بفعل الحصار.
الكل خاسر، خسرت أمريكا هيبتها فى مضيق هرمز، وخسر ترامب شعبيته فى مياه الخليج، فى أدنى مستوياتها، خسرت القوة العظمى عندما لم تنتصر، عندما فشلت فى تحقيق أهدافها المعلنة، وعادت بخُفَّى حنين من مغامرة طائشة، عادت تبحث عن سلام يترجم انتصارًا لم يتحقق.
خسرت إيران كثيرًا من مقدراتها، وبالضرورة انحسر نفوذها، فضلًا عن الخسارة الفادحة فى قياداتها، خسرت مرشدها الأعلى وقائمة من القيادات التى كانت تشكل القوام الرئيس لقيادة الدولة الإيرانية، وعادت تبحث عن سلام يترجم انتصارًا لم يتحقق.
السلام الجيد يحتاج إلى شجعان (سلام الشجعان)، وكلا الطرفين لا يتمتع بالشجاعة الكافية أمام شعبه والعالم، لإعلان رغبته فى سلام دائم، كل يطلب سلامًا بشروط إذعان، والإذعان يترجم هزيمة، يطلبون سلامًا بنكهة الانتصار، وهذا ما لا يرتضيه طرفا المعادلة، وهذا ما يجعل السلام صعب المنال.
الهدنة تراوح مكانها، لا تترجم سلامًا، أخشى الهدوء الذى يسبق العاصفة، والرئيس الأمريكى يهوى العواصف النارية وينتشى بها، رجل العواصف يبحث عن سلام يرسمه منتصرًا، ويزعم أنه رجل السلام المنتظر، ويطلب جائزة نوبل للسلام على جثث الأبرياء، يلهج ويرعد كالبرق العاصف بالتهديد والوعيد والويل والثبور وعظائم الأمور، ولم يسأل نفسه وكبار مساعديه، وقد اختبروا إيران جيدًا، متى كان السلام غصبًا واقتدارًا؟! ومن ذا الذى يقبل على دولته مهانة الاستسلام بشروط العدو؟! سلام الهزيمة يترجم استسلامًا، والرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان يقولها: «أحلام الأعداء باستسلام وخضوع شعبنا لن تتحقق أبدًا».
سلام الشجعان يترجم انتصارًا للسلام،
صحيح، ليس هناك سلام سيئ، ولكن السيئ الاستسلام، والأسوأ الاستسلام لغريزة تشتهى الحرب والدمار، الاستسلام لمشيئة العدو، ترامب لا يقبل سلام الشجعان، يطلب استسلامًا، والمرشد «مجتبى خامنئى» لن يقبل على شعبه استسلامًا مشروطًا يترجم هزيمة، يطلب سلامًا يترجمه انتصار، والكل خاسر، علمًا بأنه لم تكن هناك حرب جيدة قط.



