رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

«أوراقي 27».. أحمد الحضري الدرس الأول في «كان»

قسم : مقالات
الجمعة, 15 مايو 2026 09:22

 

 

فى عام ١٩٩٢، كانت رحلتى الأولى إلى مهرجان (كان)، لم يكن المهرجان العالمى الأول الذى أحضره، سافرت قبلها بنحو ٩ أشهر إلى (موسكو) سبتمبر ١٩٩١. سحر (كان) يظل استثنائياً. قطاع كبير من أهم قامات الصحفيين والنقاد يملؤون صحفهم سنوياً ومنذ ستينيات القرن الماضى بالحديث عن (كان).

فى هذا التوقيت كانت الصحف تدفع بدل سفر لمن يتكبد تكاليف رحلة خارج الحدود، بينما مهرجان (موسكو) يوفر تذكرة السفر والإقامة، وكان معى فى نفس الطائرة والفندق فى (موسكو) الأساتذة سعد الدين وهبة ويوسف القعيد وعزت العلايلى وصفية العمرى وصلاح أبوسيف والمنتجان فاروق صبرى ومنيب شافعى، ومثّل مصر رسميًا (المواطن مصرى). مهرجان هادئ فى كل شىء، ولا يكلفك شيئًا سوى الحضور.

بينما الصخب كله فى (كان) لا يمنحك أى شىء.. فقط (كارنيه) لمشاهدة العروض مجانًا، تبدأ باللون (الأزرق)؛ لا يسمح لك بأكثر من الصعود للبلكون. عليك أن تستيقظ مبكراً وتذهب قبل العرض ربما بساعة حتى تضمن الكرسى فى أعلى الصالة، وقتها كان كرسى السينما مزوداً بجهاز للترجمة الصوتية بعد أن يمنحوك سماعة مقابل الكارنيه.

قبل ركوب الطائرة، هناك شرط (التأشيرة).. الأمر لا يستغرق أكثر من يوم، وأغلب الصحفيين فى رحلاتهم الأولى إلى (كان) يمنحون جوازات سفرهم إلى الناقدة والصحفية الراحلة مارى غضبان بمجلة (الكواكب)، وهى مشكورة تستغل علاقتها بالسفير وتنهى كل الإجراءات؛ تأشيرة لا تتجاوز صلاحيتها ٣٠ يوماً.

كان الكاتب الصحفى عادل حمودة يشغل موقع نائب رئيس التحرير بـ «روزاليوسف»، وهو المسؤول عن النشر، وصرف لى بدل سفر لا أتذكر بالضبط قيمته، كانت فرنسا تتعامل وقتها بـ (الفرنك) والجنيه المصرى أقوى من الفرنك، وبدل السفر بالدولار يكفى لشراء تذكرة الطيران ودفع تكاليف الإقامة، أو هكذا كنت أتصور.

تواصلت مع الأستاذ يوسف شريف رزق الله الذى كان من أكثر الداعمين لتواجدى وقلت له «التأشيرة فى جيبى».. أجابنى: «يبقى لديك أهم وأصعب معضلة فندق الإقامة». كنت أعتقد أنه طالما معى نقود بالدولار، أحيلها هناك إلى فرنكات وتنتهى كل المعوقات أمام قوة رأس المال.

الرقم الذى منحته لى روزاليوسف فى ظل غلاء الأسعار لا يكفى حيث يرتفع ثمن كل شيء، كما أن الفنادق الصغيرة (ذات النجمة والنجمتين) يتم حجزها قبلها بعام، وقال لى إنه لا ينصحنى بالسفر قبل ضمان حجز الفندق.

فى اليوم التالى، تواصل معى قائلاً: «حظك حلو الأستاذ أحمد الحضرى حجز غرفة ثلاثية ومعه كل من عمرو عرفة المخرج الشهير والناقد الكبير وجيه خيرى إلا أنهما اعتذرا والحضرى يبحث عمن يشاركه مصاريف الإقامة»، أغلب من يحضرون المهرجان يقتسمون الإقامة ولكنى لا أطيق الإقامة مع أحد. لا يوجد حل آخر، تشبثت مرغماً بطوق النجاة: حجرة فندق الأستاذ الحضرى (نجمة واحدة) واسمه كما أتذكر (كابيلا). لم أكن سعيداً بالإقامة الثنائية ولم أكررها، رغم أن الأستاذ الحضرى من أكثر الشخصيات عطاء، الحضرى مؤرخ ومترجم سينمائى من الطراز الرفيع وهو فى الأساس كان ضابطاً بالقوات المسلحة، وتخصصه فى التصوير، استقال من الجيش وتفرغ للتأريخ السينمائى والترجمة وقيادة المهرجانات وعلى رأسها (الإسكندرية). كان الأستاذ الحضرى هو المرشد فى سنة أولى كان، يضع جدول المشاهدة اليومية، ويقودنى فى السير يومياً من الفندق إلى المهرجان.. بحكم خبرته يستطيع اختصار الزمن، وهكذا بدأنا الرحلة ومقر المهرجان يبتعد نحو ١٥ دقيقة سيراً على الأقدام، استطاع الأستاذ الحضرى اختصارها مع نهاية المهرجان إلى ١٤ دقيقة و٤٥ ثانية !!. لا يحمل الأستاذ الحضرى سوى (كارنيه) أزرق لا يسمح له بالدخول إلا عادة بعد أن يستقر أولاً أصحاب الكارنيهات الأهم على الترتيب (الأبيض) و(الأحمر بنجمة) و(الأحمر سادة) الأستاذ الحضرى برغم مضى ٢٠ عاماً على ذهابه وقتها إلى (كان) إلا أنه كان يكتب مقالاته فى مجلة شهرية، ولهذا لا يمنحونه سوى أقلها فى الأهمية.. الحجز الآن (أون لاين) أوقف تلك الطبقية فى الألوان، إلا أن نصائح الأستاذ الحضرى فى وضع جدول المشاهدة لا تزال هى دستورى اليومى فى (كان).. دائماً هناك صراع مع الوقت: كيف تشاهد أكبر عدد من الأفلام وتجد أيضاً وقتاً للكتابة اليومية ولا تزال تلك هى مشكلتى بعد ٣٥ دورة فى (كان)!!.

 

Rochen Web Hosting