رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

التحايل عند نجيب محفوظ (4)

قسم : مقالات
الخميس, 07 مايو 2026 10:11

 

 

حتى نفهم موقف نجيب محفوظ من السياسة، وخياراته حيال السلطة، لا بد من أن ننظر إلى آرائه، التي حوتها رواياته، وأدلى بها في حواراته الصحفية، ودبَّجها بمقالاته القصيرة، في ضوء التراكم الإبداعي والنقدي، حول علاقة الأدب بالسياسة، وموقف الأدباء من أولي الأمر.

 

وبداية، فإن التوسل بالحيلة لمقاومة السلطان الجائر أو لفت انتباهه إلى عيوبه ومثالبه، ليس بجديد على الأدب العربي، فهناك مخطوطة عربية مجهولة المؤلف بالمكتبة الوطنية بباريس يرجح عودتها إلى القرن الثالث عشر الميلادي تحمل عنوان: «رقائق الحلل في دقائق الحيل»، لم يعتمد كاتبها في نصحه للحكام على الأسلوب المباشر الذي اتبعه ميكافيلي، إنما سلك درب الحكاية والقصة كوسيلة لتعليم الحكام فنون الإدارة والحكم، وقسم حكاياته، إلى حيل الملائكة والأنبياء وأدعياء النبوة والملوك والسلاطين والوزراء والقضاة والفقهاء والعباد والزهاد، ليحذر من خلالها الحكام من مغبة الظلم والاستبداد، ويبصرهم بالفوائد العظيمة التي تترتب على حكمهم بالعدل.

لكن هذه الوثيقة وتلك الطريقة التي سلكها نجيب محفوظ لا تعني أن الأدب يقتصر على التحايل فقط في مواجهة السلطة، وفي الوقت ذاته لا تعني أن هناك ثمة علاقة طردية بين القهر السياسي وخصوبة الإبداع الأدبي، كما ذهب أديبنا الكبير، فالأدب طالما كان مواجهة مباشرة بين المثقف والسلطة.

على سبيل المثال، لا الحصر، يتداعى إلى الأذهان، في هذا المقام، الدور الذي لعبه الأدب في تقويض أركان النظم الشيوعية في أوروبا الشرقية، فهو لم يكن بعيداً عن الثورة التدريجية التي شهدتها المجر، نهاية عام 1989، وبداية عام 1990، وقادتها إلى أول انتخابات حرة.

والكاتب المسرحي فاتسلاف هافيل، الذي وصل إلى رئاسة تشيكوسلوفاكيا سابقاً، قدم مثلاً مهماً على إمكانية أن يصبح الأديب سياسياً بارزاً.

وفي رومانيا، شكل الأدباء المغبونون عاملاً أساسياً من عوامل الثورة على نظام شاوشيسكو الفاسد.

وأسهم الأدباء في التمهيد للثورة الفرنسية، في حين أدت رواية «كوخ العم توم» للروائية الأمريكية هارييت بيتشر إلى إشعال الحرب الأهلية في الولايات المتحدة لأنها رصدت الحياة القاسية التي يعيشها السود.

أما عن تأثير نمط السلطة على الأدب، فلا يمكن أن نأخذ رأي نجيب محفوظ، المشار إليه سلفاً، على علاته.

فبداية، إذا كان هناك اتفاق بين كثير من النقاد على وجود علاقة ضرورية بين البنية السياسية لأي مجتمع وأدب هذا المجتمع، فإنهم مختلفون حول ما إذا كان توجه النظام السياسي يؤثر على مضمون وشكل العمل الأدبي، أم على المضمون فقط. ويمتد هذا الخلاف إلى ما إذا كان الأدب يزدهر مع التسلط، كما ذهب محفوظ، أم لا.

وبوجه عام، فإن الأدب، بمختلف ألوانه، يلعب دوراً سياسياً مباشراً، أو غير مباشر في الحياة السياسية، ففضلاً عن كونه قد يكون أداة في يد السلطة لتشكيل وعي المجتمع بما يخدم مصالح طبقة أو فئة معينة، أو على النقيض، قد يصبح أداة لمقاومة استبداد السلطة بالحيلة تارة وعنوة تارة أخرى، فهو أيضاً أحد العناصر الرئيسية التي تكوّن وجدان الأمم، ويسهم مع غيره من أدوات التشكيل الثقافي في صياغة شخصيتها القومية وبلورة هويتها الحضارية، كما يعتبر أحد المصادر الأساسية لدراسة الشعوب.

 

Rochen Web Hosting