الخوف من التيار
هناك أشخاص يعيشون حياتهم بطولها دون الاقتراب من البحر، خوفاً من أن يجرفهم التيار إلى القاع، دون أمل في النجاة، وفي الواقع أننا نعيش نعاني من العشرات أو المئات من التيارات التي نتجنّب خطرها. ولعل أمتعها وأقساها وأكثرها هجوماً وملازمة لنا ومطاردتنا مهما حاولنا الهروب منه تيار الحب، فعندما تجرفنا عواطفنا فإنه لا حل إلا السير مع التيار ومسايرته ومحاولة التأقلم معه حتى لا ننهار وسط أمواجه وتسرقنا من حياتنا وكل المحيطين بنا.
فهناك قصص حب يقع فيها أصحابها بعد فوات الوقت المناسب للاستمرار، إلا أن القلوب لا تعيش وتنبض حسب التوقيت المحلي للمدن وسكانها، لأن لها توقيتاً خاصاً جداً، ولغة خاصة ودوراً تلعبه العيون والكلمات والأغاني وأماكن اللقاء وصور الذكريات وبقايا الهدايا ودواوين الشعر. وعندما يتألم البعض من سرعة التيار فلا بد من البحث عن مهرب لا يكشف للعالم السر الذي يضمّه بين أضلعه ويحافظ على حياته، وهنا يبحث عن أسلوب يتبعه البحارة وقائدو السفن.
وإذا كان من المعتاد في عالم البحار أن تُقاس سرعة التيار في البحر باستخدام عدة أساليب وتقنيات منظورة تعتمد بشكل أساسي على قياس سرعة تدفّق المياه وتحديد اتجاهها بالمتر في الثانية أو العقدة البحرية فإن عالم الحب يكاد يكون صورة من هذه المعادلات الهندسية، بل ويحتاج في بعض الحالات إلى وسائل قياس المد والجزر المستخدَمة في عالم البحار، لقياس المشاعر وتوهّجها أو خفوتها، بل وللأقمار الصناعية والأطواف الطافية التي تراقب تيارات السطح من الفضاء.
ومثلما يبدأ في الموانئ البحرية تسجيل سرعة التيار وحركة المياه بعد ظهور القمر وعند اكتماله بدراً، فإن قلوب المحبين ومشاعرهم تنتظر القمر وتراقبه في تحركاته وقوة ضوئه وخوفه من السحاب واختبائه وسطها، هرباً من الظلام والبحث عن حلم يلتقي فيه بالحبيب ليطفئ أشواقه إليه.
ولا يتوقف الأمر عند تلك الصور، بل إن هناك تيارات هوائية نفاثة أطلق عليها هذا التعبير لأنها تيارات هوائية علوية عظيمة السرعة تندفع في مسارات معروفة على ارتفاعات تتراوح بين 8 كيلومترات و13 كيلومتراً في نطاق الرياح الغربية، وتتراوح سرعتها بين 500 و600 كيلومتر في الساعة.
هذه التيارات تحمل أشواق المحبين معها وتدور بسرعتها، وقد اكتشفت هذه التيارات لأول مرة في عام 1933، وظهرت أهميتها في أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث كانت تُؤثر على حركة الطيران، فكانت تعوق حركة الطائرات التي تواجهها، فتوقفها، بل وتؤدي إلى تراجعها أحياناً، بينما كانت تضاعف من سرعة الطائرات التي تسير في نفس اتجاهها، وحالياً توجد خرائط مفصّلة للتيارات النفاثة المعروفة في نصف الكرة الشمالي، ويدل توزيعها على أنها تندفع غالباً على طول الجهات التي تفصل الكتل الهوائية القطبية عن الكتل الهوائية المدارية. ويبدو أننا نعيش وسط هذه التيارات المائية والأمواج والتيارات الهوائية النفاثة بعواطفنا وقصصنا الجميلة التي يحدث لها مد وجزر، وفي فصل الشتاء تكون أسرع وأقل ارتفاعاً منها في فصل الصيف وأن بعض هوائها قد يندفع إلى أسفل نحو الأرض، فيؤدي إلى حدوث اضطرابات جوية عنيفة عند سطح الأرض.



