رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

ليس سقوطًا كاملًا لكنه تآكل

قسم : مقالات
الجمعة, 15 مايو 2026 09:38

 

امتداداً للحديث عن التغيرات التى تشهدها بريطانيا، فإن انهيار الثقة فى «النخبة التقليدية» هى أحد الأسباب فى صعود حزب الإصلاح. وهذا ليس تطورًا بريطانيًا خالصًا، بل جزء من موجة أوسع تضرب الغرب كله. ففى فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وحتى الولايات المتحدة، تتراجع الأحزاب التقليدية لصالح قوى شعبوية تقدم نفسها باعتبارها «صوت الناس الحقيقى» ضد المؤسسات القديمة.

صعود حزب الإصلاح ليس ظاهرة معزولة، بل امتداد واضح لموجة اليمين الشعبوى الأوروبى. الفارق فقط أن بريطانيا كانت حتى وقت قريب تبدو أكثر قدرة على مقاومة هذا التحول بسبب قوة مؤسساتها السياسية وتقاليدها الحزبية العريقة. لكن نتائج الانتخابات الأخيرة تقول إن بريطانيا لم تعد استثناءً.

السؤال هو هل يستطيع حزب الإصلاح تكرار هذه النتائج فى الانتخابات التشريعية عام ٢٠٢٩؟.

لكن الخطر الحقيقى على العمال والمحافظين لا يكمن فقط فى احتمال فوز حزب الإصلاح بالحكم، بل فى قدرته على إعادة تشكيل الحياة السياسية البريطانية نفسها. فحتى إذا لم يحكم، يكفى أن يسحب كتلة انتخابية ضخمة من الحزبين التقليديين ليُدخل البلاد فى عصر من الحكومات الضعيفة والائتلافات الهشة والانقسام السياسى المستمر.

وهنا تظهر مسألة أكثر حساسية ماذا يعنى صعود هذا اليمين بالنسبة للمهاجرين والأقليات؟.

من الواضح أن جزءًا كبيرًا من خطاب حزب الإصلاح يقوم على التشدد تجاه الهجرة. وحتى لو حاول الحزب تقديم نفسه باعتباره مدافعًا عن «ضبط الحدود» لا عن العنصرية، فإن صعود هذا الخطاب يثير بالفعل قلقًا واسعًا بين الأقليات والمهاجرين، خاصة المسلمين واللاجئين.

الخطر هنا لا يتعلق فقط بالقوانين، بل بالمناخ العام. فكلما تصاعد الخطاب الشعبوى زادت احتمالات الاستقطاب الاجتماعى، وارتفعت حدة الانقسام بين «البريطانى الأصلى» و«الآخر»، حتى لو لم يُصَغ ذلك رسميًا بهذه اللغة.

لكن فى المقابل، فإن تجاهل مخاوف قطاعات واسعة من البريطانيين بشأن الهجرة والهوية كان أحد الأسباب الرئيسية لصعود هذا اليمين أصلًا. وهذه هى المعضلة الأوروبية الكبرى اليوم كيف يمكن التوفيق بين قيم الانفتاح الليبرالى وبين مخاوف المجتمعات من فقدان السيطرة على الحدود والهوية والتماسك الاجتماعى؟.

ربما لهذا تبدو بريطانيا اليوم أمام لحظة مفصلية. ليست لحظة سقوط كامل للنظام القديم، لكنها بالتأكيد لحظة تآكل تدريجى لقواعده التقليدية.

فبريطانيا التى عرفها العالم لعقود بوصفها نموذجًا للاستقرار السياسى والوسطية والتداول الهادئ للسلطة، تبدو اليوم أكثر غضبًا وانقسامًا وقلقًا من نفسها. وربما يكون السؤال الحقيقى ليس ما إذا كان حزب الإصلاح سيحكم بريطانيا قريبًا، بل ما إذا كانت الأحزاب التقليدية قادرة أصلًا على استعادة ثقة مجتمع بدأ يشعر أن النظام القديم لم يعد قادرًا على تمثيله أو حمايته.

ما يحدث اليوم فى بريطانيا ليس مجرد تغير انتخابى عابر، بل علامة على تحول أعمق فى الغرب كله. انتقال السياسة من صراع البرامج الاقتصادية التقليدية إلى صراع الهوية والغضب والخوف من المستقبل.

 

Rochen Web Hosting