فقاعة عقارية.. أم فجوة في القانون؟
تنتاب السوق العقارية حالة من التردد والاضطراب بسبب تضارب الآراء والتصريحات والتكهنات حول ما يسمى «الفقاعة العقارية».
والمقصود بذلك هو الخوف من أن يكون الارتفاع المبالغ فيه للأسعار فى السنوات الماضية، وقيام بعض الأشخاص بشراء عقارات لا يقدرون على سداد ثمنها بدافع المضاربة لا التملك أو الاستثمار، وتراجع الطلب وزيادة المعروض فى السوق الثانوية، أن يؤدى كل هذا إلى تعثر الشركات العقارية الضعيفة بما يترتب على ذلك من إخلال بتسليم العقارات، و«حبس» أموال المشترين غير القادرين على إعادة بيعها.
وفى مقابل هذا السيناريو المظلم، يؤكد العديد من المطورين العقاريين أن الظاهرة ليست بهذه الحدة، وأن نسبة العقارات المعروضة للبيع بسبب التعثر فى السداد صغيرة بالنسبة لحجم التداول السنوى، وأن الغالبية العظمى من الشركات ملتزمة وكذلك المشترون غير المضاربين، فلا داعٍ لإثارة الفزع.
تقديرى الشخصى أننا قد نكون حيال ركود فى السوق، وتصحيح للأسعار، وتوجد فعلا بعض حالات التلاعب، ولكن لن نبلغ مرحلة الانهيار أو الأزمة الحقيقية، خاصة إذا أحسنّا إدارة الحالة المضطربة الحالية.
ويدعونى لهذا التقدير أمران؛ الأول أنه على عكس أسواق أمريكا وأوروبا التى تعرضت لأزمة عقارية ومصرفية خطيرة منذ حوالى عشرين عاما، فإن شراء العقارات فى مصر يجرى أساسا بأموال القطاع العائلى وليس القطاع المصرفى (وللبنك المركزى كل التقدير فى هذا الشأن على دوره الرقابى على المصارف والائتمان)، والثانى أن هناك حجما هائلا للطلب المستمر على العقارات بشكل عام ومن مختلف الطبقات، وبالتالى فكل نزول فى الأسعار يفترض أن يقابله دخول شريحة جديدة من راغبى الشراء (ما عدا طبعا المبالغات الخرافية فى بعض الأسعار التى نسمع عنها ولا أظنها تحدد وحدها اتجاه السوق).
الأولوية إذن يجب أن تكون لمساندة السوق على تجاوز مرحلة مضطربة، والحفاظ على حقوق المواطنين، ثم على سلامة الشركات الجادة والملتزمة.
وأقترح تحقيقا لذلك أولا، ألا يُترك الرأى العام تائها بين تصريحات خبراء حقيقيين وآخرين هواة، وشركات جادة وأخرى متلاعبة، ومثيرى الشائعات فى كل اتجاه، بل تأخذ الحكومة بزمام الأمور وتعلن القدر المطلوب من المعلومات ومن الإجراءات التى اتخذتها أو تنوى اتخاذها لحماية السوق، وتخاطب الناس مباشرة.
من جهة أخرى فلدينا فى مصر منظومة تشريعات رقابة مالية تخاطب كل الأنشطة، فيما عدا تمويل التطوير العقارى. وهو نشاط تمويلى فى الأساس، ولكن يختلف عن التمويل العقارى فى أن مصدره من الأفراد المشترين وليس من المؤسسات المالية. هنا بالذات لدينا فجوة تشريعية طالب الكثيرون بسدها على نحو ما فعلت دول كثيرة حولنا بتشريعات «الشراء على الخارطة» (Off Plan Sales). لهذا فمن الضرورى أن نستكمل ما هو ناقص تشريعيا ورقابيا حتى تستقيم السوق وتنضبط. وأظن أن الحكومة ماضية فعلا فى هذا الاتجاه.
ولكن نصيحة أخيرة مرتبطة بما سبق. نحتاج تشريعا ورقابة بالتأكيد، ولكن أسوأ ما يمكن عمله الآن هو التدخل بقانون وتعليمات سليمة نظريا وتوحى بالشدة والصرامة، ولكن تأخذ الشركات المنضبطة والواقفة على أسس مالية سليمة وآليات إدارة مخاطر بجريرة الشركات المتلاعبة والمطورين الهواة، فيكون رد الفعل العنيف دافعا لتفاقم الوضع ووقوع الأزمة بدلا من توقيها.
الأولوية الآن هى حماية مدخرات المواطنين وحماية الشركات المنضبطة وحماية السوق، وهذا يحتاج حكمة وتوازنا وعقلا بقدر ما يحتاج قوانين ورقابة.



