هل ابن سبعة يعيش وابن ثمانية يموت؟!
«ابن السبعة يعيش أكثر من ابن الثمانية».. مقولة سمعتها مؤخراً من طبيبة فى برنامج تليفزيونى، لم أسمعها من جدتى التى ولدت فى بدايات القرن الماضى، بل من استشارية طب أطفال تعيش فى القرن الحادى والعشرين وآسف أن أقول إن تلك المقولة هى خرافة قديمة هزمها العلم وهى من أكثر الجمل الشعبية التى تكررت لعقود فى مجتمعاتنا عبارة: «ابن السبعة أفضل من ابن الثمانية» تُقال بثقة وكأنها قانون بيولوجى ثابت بينما الحقيقة أن الطب الحديث يعتبرها واحدة من أشهر الخرافات الطبية الموروثة التى لا تستند إلى أى أساس علمى بل إن العلم يقول العكس تمامًا فكلما اقترب الجنين من اكتمال شهور الحمل زادت فرص نجاته وتحسنت وظائف أعضائه وعلى رأسها الرئة.
السبب الرئيسى وراء هذه الخرافة يعود إلى زمن لم تكن فيه أجهزة السونار ولا الحضّانات الحديثة ولا وحدات الرعاية المركزة للأطفال الخدّج موجودة. كان حساب عمر الحمل غير دقيق وكان الناس يخلطون بين الطفل «المبتسر» فعلًا وبين طفل وُلد فى الشهر الثامن لكنه كان يعانى من مشاكل خطيرة داخل الرحم مثل ضعف النمو أو تسمم الحمل أو قصور المشيمة فيبدو وكأن ابن الثمانية أضعف بينما المشكلة الحقيقية لم تكن فى الشهر نفسه بل فى الحالة الطبية المصاحبة. علميًا، الطفل المولود فى الشهر الثامن تكون فرصه أفضل من طفل السابع فى أغلب الحالات لأن أعضاءه تكون أكثر نضجًا خاصة الرئتين وهنا نصل إلى مصطلح علمى شديد الأهمية فى طب الأطفال وحديثى الولادة: «السيرفاكتانت» وهو مادة دهنية بروتينية تفرزها الرئة داخل الحويصلات الهوائية ووظيفتها منع هذه الحويصلات من الانهيار أثناء التنفس بدون هذه المادة تصبح الرئة كأنها بالون يفرغ ويصعب فتحه مرة أخرى فيعانى الطفل من فشل تنفسى خطير يعرف باسم: Respiratory Distress Syndrome الرئة تبدأ إنتاج السيرفاكتانت مبكرًا لكن بكميات قليلة ثم تزداد كميته تدريجيًا مع تقدم الحمل خاصة بعد الأسبوع ٣٢، ويصبح أكثر نضجًا قرب الأسبوع ٣٤–٣٦. لهذا يكون طفل الثمانية أشهر غالبًا أكثر قدرة على التنفس من طفل السبعة أى أن «السيرفاكتانت» نفسه يفضّل الثامن على السابع إذن الطب الحديث غيّر كذلك قواعد اللعبة بالكامل. اليوم توجد: حضّانات متطورة وأجهزة تنفس صناعى وحقن كورتيزون للأم لتسريع نضج الرئة وسيرفاكتانت صناعى يُعطى مباشرة للطفل بعد الولادة كل ذلك جعل إنقاذ الأطفال الخدّج ممكنًا حتى فى أعمار حمل صغيرة جدًا ولذلك لم يعد من المنطقى ترديد مقولات تراثية قديمة كأنها حقائق علمية فالطب لا يعمل بالأمثال الشعبية بل بالأبحاث والإحصاءات وفهم فسيولوجيا الجسم. وفى النهاية لا توجد «لعنة للشهر الثامن» ولا ميزة سحرية للشهر السابع هناك فقط رئة تنضج تدريجيًا... وعلم تعلّم كيف يساعدها على النجاة.



