رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

قصة «حجر»

قسم : مقالات
الجمعة, 09 يناير 2026 18:08

 

 

حجر بن عدى من أكثر الأسماء شهرة خلال السنوات الأولى لحكم معاوية بن أبى سفيان، فبإمكانك أن تقول إنه كان أول معارض سياسى للدولة الأموية وتوجهاتها، لم يدخل ضدهم فى معارك قتالية، كما فعل الخوارج الذين تعددت جولات حربهم ضد الأمويين، بل اعتمد على الجهر برأيه السياسى ومواجهة الدعاية السلبية الخطيرة التى بدأوا فى بثها حول على بن أبى طالب، والتى بلغت حداً من التطاول غير المسبوق على الخليفة الراشد الرابع، ربيب رسول الله، وابن عمه، وزوج ابنته، ووالد أحفاد النبى: الحسين والحسين وزينب وأم كلثوم الكبرى.

بدأت رحلة معارضة حجر بن عدى للسياسة الأموية مع تولى معاوية بن أبى سفيان حكم المسلمين سنة 41 هجرية، وقد اتجه الأخير إلى التدقيق الشديد فى اختيار ولاته، خصوصاً داخل الولايات التى احتضنت أنصاراً لعلى بن أبى طالب، وعلى رأسها بالطبع ولاية الكوفة، التى اتخذها «على» عاصمة لخلافته، والتف الناس فيها حوله وقاتلوا معه فى الجمل وصفين وغير ذلك من معارك خاضها، وقد اغتيل «على» فى مسجدها، وبايع أهلها، بعد وفاته، ولده «الحسن» خليفة للمسلمين، لكن الأخير تنازل عن الخلافة لمعاوية، كما تعلم، وخرج «الحسن والحسين» بعدها من الكوفة إلى المدينة المنورة، ليعيشا هناك، وقد خضعت الكوفة فى الظاهر لحكم معاوية بعد أن استقر له الأمر، على الأقل فى الظاهر، لكن الكثير من أهلها كانوا يحتفظون فى قلوبهم بزاد محبة كبير لعلى بن أبى طالب وأولاده.

إدراكاً من «معاوية» لخصوصية الأوضاع بالكوفة قرر أن يختار واحداً من أشهر دهاة العرب والياً عليها، وهو المغيرة بن شعبة، الرجل الذى سبق وولّاه عمر بن الخطاب على البصرة ثم عزله منها، بعد الخبر الذى أشيع بأنه ارتكب جريمة الزنا وشهد عليه ثلاثة بذلك، وتلعثم الرابع، فلم يؤخذ بشهادته، وبالتالى سقط حد الجَلد عنه، لكن «عمر» عزله تأديباً له، ثم ولاه الكوفة بعد ذلك، واغتيل «عمر» وهو والٍ عليها، وعزله «عثمان» بعد ذلك، ولما تولى «معاوية» الحكم اختار «المغيرة» والياً على الكوفة.

استدعى معاوية بن أبى سفيان «المغيرة» وأبلغه بقرار تعيينه والياً على الكوفة وقال له، كما ينقل «الطبرى» فى «تاريخه»: «قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة، فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضينى، ويسعد سلطانى، ويصلح به رعيتى، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة: لا تنحم (لا تتردد) عن شتم علىٍّ وسبه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب علىِّ، والإقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه، والإدناء لهم، والاستماع منهم».

قد تستغرب وأنت تقرأ هذا الكلام وتسأل: كيف كان يفكر معاوية وهو ينصح هذه النصيحة؟ لقد كان يعلم أن الكوفة تُعد مركزاً لأنصار على وأولاده، ولم يكن من الحكمة على وجه الإطلاق أن يستفز أهلها عبر التطاول على رجل يعلم الجميع مكانته من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبلاءه فى خدمة الإسلام، وعمق إيمانه بالله ورسوله، وجميعها أسباب تدعو إلى ظهور العديد ممن يمتلكون شجاعة الرفض لهذا التوجه، وحتى من سيكتم رأيه فى صدره فسيكتمه على غضب من معاوية ومن الأمويين. أين الدهاء فى ذلك؟!

Rochen Web Hosting