سِر النبي والإسلام
حكيت لك أن الوليد بن المغيرة أنجب 7 ذكور، أسلم منهم ثلاثة: أولهم الوليد بن الوليد، وأسلم بعد هجرة النبى صلى الله عليه وسلم، وثانيهم هشام بن الوليد، وقد أسلم سنة 4 هجرية، وثالثهم خالد بن الوليد وأسلم سنة 8 هجرية. وقد تأخر إسلام «خالد» كثيراً كما تلاحظ، وهو لم يعاصر النبى -بعد إسلامه- سوى 3 سنوات فقط. وقد خاض خالد بن الوليد العديد من المعارك مع مشركى مكة ضد النبى، مثل بدر وأحد والخندق.
وقعت أحداث غزوة «أُحد» يوم السبت 7 شوال على رأس 32 شهراً (سنتان وثمانية أشهر) من هجرة النبى. قبل المواجهة بين الجمعين جعل النبى 50 من الرماة فوق الجبل تحت قيادة عبدالله بن جبير، وقال لهم: احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا. أما المشركون فقد صفّوا صفوفهم وجعلوا خالداً بن الوليد قائداً على ميمنة الجيش، وعيّنوا على الميسرة عكرمة بن أبى جهل. وقد مالت الكفة فى بداية المعركة لصالح المسلمين ما أغرى الرماة بالنزول من فوق الجبل للمشاركة فى جمع الغنائم، وثبت أميرهم عبدالله بن جبير ومعه أقل من 10 أفراد، فى حين رفض الآخرون البقاء وقالوا: قد انهزم المشركون فما مقامنا ها هنا؟ وهرولوا يجمعون الغنائم. فى هذه اللحظة حدث انكشاف لجيش المسلمين تنبه إليه قائد المشركين خالد بن الوليد، فتحرك بسرعة نحو الجبل وكرّ بالخيل، وتبعه عكرمة بن أبى جهل، فهاجموا من بقى من الرماة على الجبل فقتلوهم وقُتل أميرهم عبدالله بن جبير، واهتزت صفوف المسلمين وانقلب الأمر ضدهم وانتصر عليهم المشركون. ونستطيع تأسيساً على ذلك أن نقول إن خالداً بن الوليد كان السر وراء انتصار المشركين فى غزوة أُحد.
وخلال أحداث غزوة الخندق (الأحزاب) كان خالد بن الوليد فى صدارة المشهد أيضاً، إذ كان من قادة جيش المشركين، وقد قاد مجموعات كانت تناوش المسلمين من حين إلى آخر، وقد حدث أن نفذ خالد بن الوليد من ثغرة فى موضع من الخندق أهمله المسلمون، وحدث قتال بينه ومعه عدد من المشركين وبين المسلمين، لم يستطع أن يحقق «خالد» من خلاله أى تقدم أو تحوُّل نوعى فى الموقف، ويقال إن خالداً بن الوليد كان يخطط لقتل النبى صلى الله عليه وسلم خلال هذه الغزوة. وبعد أن أرسل الله تعالى الريح التى اقتلعت خيام المشركين وشتتت جمعهم وقرروا الانسحاب، كلفوا خالداً ومعه 200 من الفرسان بالبقاء لفترة من الوقت مخافة أن يطارد المسلمين جيش المشركين.
ظهر خالد بن الوليد أيضاً خلال المشهد الذى أسفر عن صلح الحديبية، إذ كلفه المشركون بالخروج على رأس 200 فارس لإيقاف النبى والمسلمين الذين أرادوا العُمرة، وقد اقترب من المسلمين الذين عسكروا قريباً من الحديبية، وأخذ «خالد» يراقب المسلمين وهم يصلون مع النبى صلاة الظهر. تأمّل النبى كثيراً وتساءل فى داخله عن سر هذا الرجل الذى يصطف المؤمنون خلفه، ويجاهدون معه، ويفدونه بأرواحهم، وعن سر الإسلام الذى يحارب به الوثنية، وعن هذا الكلام الذى سبق وردده أبوه «الوليد بن المغيرة» عن القرآن الذى يعلو ولا يُعلى عليه. صلح الحديبية (سنة 6 هجرية) مثّل حدثاً فاصلاً فى حياة خالد بن الوليد، وقد مكث بعده سنتين يفكر فى «سر محمد» صلى الله عليه وسلم.



