كلما مات هرقل.. قام هرقل
مات الحسن بن علي سنة 49 هجرية، وقتها كان عمر معاوية قد ناهز الستين، وبدأت السنون تمضي به سنة تلو سنة، وتكرّس بداخله إحساساً باقتراب النهاية، خصوصاً بعد أن أخذت صحته فى التدهور بدءاً من عام 55 هجرية، لذا كان من الطبيعى أن ينطلق فى إحداث الانقلاب الخطير، انقلاب التوريث وفرض ابنه «يزيد» خليفة على المسلمين، في وقت كان يتزاحم فيه على الساحة الكثير من الأفاضل من أبناء كبار الصحابة، مثل عبدالله بن عمر، وعبدالرحمن بن أبى بكر، وعبدالله بن الزبير، وبالطبع الحسين بن علي سبط رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
ولو أنك تأملت الطريقة والخطوات التى خطاها «معاوية» لانتزاع البيعة لولده معاوية فستُصادف الكثير من المشاهد الارتدادية عما تأصل فى تجربة اختيار الخلفاء المسلمين، بدءاً من أحداث سقيفة بنى ساعدة، واختيار أبى بكر الصديق، وانتهاءً بخلافة الحسن بن على، ثم تنازله عن الأمر لمعاوية. يكفى أن تتأمل هذا المشهد المصنوع الذى صاغه «معاوية» بيده وحكاه «ابن الأثير» فى كتابه «الكامل فى التاريخ».
في هذا المشهد تجد «معاوية» جالساً فى قصره، وقد فوجئ بدخول 40 رجلاً عليه، وعلى رأسهم عروة بن المغيرة، فلما استقر بهم المقام، قاموا خطباء، فقالوا: «إنما أشخصهم إليه النظر لأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا أمير المؤمنين كبرت سنك وخفنا انتشار الحبل فانصب لنا علماً وحد لنا حداً ننتهى إليه. فقال: أشيروا علىّ. فقالوا: نشير بيزيد ابن أمير المؤمنين. فقال: أوقد رضيتموه؟ قالوا: نعم. قال: وذلك رأيكم؟ قالوا: نعم، ورأى من وراءنا. قال معاوية لهم: ننظر ما قدمتم له ويقضى الله ما أراد، والأناة خير من العجلة. فرجعوا». هذا المشهد المصنوع صاغه «المغيرة» بالترتيب مع «معاوية»، ويحكى «ابن الأثير» أن الأخير سأل عروة بن المغيرة، رئيس الوفد: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال: بأربعمائة دينار. قال: لقد وجد دينهم عندهم رخيصاً.
المشهد السابق يحكى لك بدايات التحول الخطير الذى دهم الأمة، حين تصدّر صفوفها الأولى رجال «الدين» عندهم رخيص، وربح الدنيا أثمن عندهم من تقوى الله تعالى. لقد كان كبار أولاد الصحابة يدركون خطورة ما يحدث، ويفهمون أن الأمويين يريدون تحويل أمة الإسلام إلى أمة «هرقلية» أو «كسروية» تستعبد الإنسان، وتصادر حريته فى الاختيار، ويفرض الكبار على الناس فيها اختياراتهم بالقوة الغشومة (قوة السيف)، ويفقد فيها الإنسان كرامته، ويصبح الدين فيها مجرد حلية تتحلى بها الدولة وتوظفها فى السيطرة الناعمة على الناس، حتى ولو افترن ذلك بالتضليل.
كبار أولاد الصحابة كانوا واعين بالتحول الذين يحدث، ويكفى لكى تستدل على ذلك أن تراجع رد عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق على مروان بن الحكم، والى المدينة، حين وجّه معاوية ولاته بالترويج لاسم يزيد ليخلفه فى الحكم. لقد قام مروان فيهم وقال: إن أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل، وقد استخلف ابنه يزيد بعده. فقام عبدالرحمن بن أبى بكر فقال: كذبت والله يا مروان وكذب معاوية! ما الخيار أردتما لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل.
جانب الخطورة فى التحول الذى يحدث كان مفهوماً لكل أولاد الصحابة، بمن فيهم من هو أحدثهم دخولاً في الإسلام، أقصد عبدالرحمن بن أبي بكر، فما بالك بالنسبة لسبط النبي صلى الله عليه وسلم، الحسين بن علي؟!



