الحرب حين تصل إلى فاتورة البيت
قد يخسر رئيس انتخابات بسبب حرب، من دون أن تكون غالبية الذين عاقبوه قد أدانتها أخلاقيًا. هذه نقطة ضرورية لفهم هزيمة الجمهوريين فى الانتخابات الأمريكية. فالاعتراض على الحرب قد ينشأ من رفض مبرراتها، وقد ينشأ من ارتفاع كلفتها. والنتيجة الواحدة لا تجعل الدافعين متطابقين.
حين يقال إن إيران هزمت ترامب انتخابيًا، ينبغى أن نسأل، بأى معنى؟ هل رفض الناخب الأمريكى قرار الحرب، أم رفض أن يدفع ثمنًا متزايدًا لها؟ وهل انشغل بما حققته من أهداف، أم بما انتزعته من قدرته على الإنفاق؟ الإجابة تحدد طبيعة الدرس الذى نستخلصه من الانتخابات.
فى استطلاع «إيه بى سى نيوز»، وصف ٣٤٪ من ناخبى مجلس النواب الحرب مع إيران بأنها عامل حاسم فى تصويتهم، مقابل ٤٩٪ قالوا ذلك عن تكلفة المعيشة. ولا يجوز التعامل مع الفئتين كأنهما منفصلتان، فقد يكون الناخب نفسه قلقًا من الحرب وغاضبًا من الأسعار. لكن الأرقام تشير إلى اتساع حضور المعيشة مقارنة بالحرب بوصفها ملفًا قائمًا بذاته.
هنا يأتى «الكيروسين»، دلالة على ما يحتاج إليه المواطن لكى يعيش. المقصود ليس مادة بعينها، وإنما البنزين والتدفئة والكهرباء والطعام والعلاج والإيجار. إنها الأشياء التى تمنح القرارات السياسية معناها الشخصى.
الناخب لا يحتاج إلى الإحاطة بتوازنات الشرق الأوسط لكى يعرف أن دخله فقد جزءًا من قدرته الشرائية. وقد لا يكون قد حسم موقفه من مشروعية الحرب، لكنه يحسم موقفه من إدارة وعدته بتحسين حياته، ثم وجد نفسه مضطرًا إلى تقليص احتياجاته. بذلك تصبح السياسة الخارجية شأنًا داخليًا محسوسًا.
وفى تقديرى، هذا هو الطريق الذى يمنح الخارج وزنه الانتخابى الأوسع، حين يمس الأمن أو الأبناء أو العمل أو مستوى المعيشة. أما مقدار اهتمامنا نحن بإيران أو أوكرانيا، فلا يكشف بالضرورة عن مكانة الملفين لدى أسرة أمريكية منشغلة بتكاليف التأمين الصحى. حجم القضية على خريطة العالم لا يساوى تلقائيًا وزنها داخل صندوق الاقتراع.
ولا تعنى هذه القراءة أن المبادئ لا تحرك الناخبين. يمكن أن يتحرك المواطن دفاعًا عن حقوق أو رفضًا لانتهاكات، كما قد تدفعه المخاطر الأمنية والخسائر البشرية إلى موقف حاسم. لكن الانتقال من وجود هذه الدوافع إلى اعتبارها التفسير العام للنتيجة يحتاج إلى دليل.
وقد تقبل قطاعات من الجمهور كلفة خارجية إذا اقتنعت بضرورتها، وفهمت حدودها، ورأت غاية يمكن بلوغها. المشكلة تزيد عندما تبدو الكلفة مفتوحة، والنتائج غامضة، والوعود بتحسن قريب تتكرر من دون أن يلمس المواطن أثرها. عندها يسأل عن جدوى القرار وعن أهلية صاحبه للاستمرار.
لذلك لا يكفى أن نقول إن الحرب أسقطت الجمهوريين. علينا أن نفهم كيف وصلت إلى اختيارات المصوتين. فالطريق من الجبهة إلى الصندوق قد يمر بالتعاطف الأخلاقى، وقد يمر بالخوف، وقد يمر بمحطة الوقود. وفى الحالة الأخيرة، تكون الفاتورة قد منحت الحرب صوتها الانتخابى.



