رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

إمام المقطم الغائب (1)

قسم : مقالات
السبت, 30 مايو 2026 19:50

 

 

يبدو مفتاح رواية الأستاذ محمد موافى كامناً فى عنوانها «إمام المقطم الغائب»، وهو فى الغالب حاصل تفكير طويل عميق فى اختزال الفكرة ومسار الحكاية وجمع المتفرق من تفاصيلها فى مجرى محدد، محمول على أجنحة لافتة تحمل من التحديد ما يشى بشىء من اختصار، لكنه مفتوح على مدى لا ينتهى من الإحالات إلى ثقافة موروثة، أو صور ذهنية راسخة، أو معانٍ مستقرة، أو رغبة فى إعلان رأى أو موقف فى حال زماننا ومآله.

فحين يأتى أحدنا على ذكر كلمة «إمام» سينصرف ذهنه إلى معنى من الزعامة الدينية والروحية، التى يمكن أن تنزع إلى السياسة فى بعض الأوقات أو الأحوال.

وحين نقول «المقطم» فنحن بالطبع نقصد هذا الجبل، الذى طالما أناخت تحته أو أمامه القاهرة زمناً طويلاً، فعانقها تارة، وأخافها تارات، كما ندرك من إتيان صورته الرمزية فى أعمال نجيب محفوظ، فهو عنده الخلاء الغامض، ومكمن الخطر، وهو عند المؤرخين الدرع الحامى للقاهرة، وفى الأسطورة أو الكرامة المسيحية المصرية هو المعجزة التى نالها القديس «سمعان الخراز» حين تمكن من نقله بعينيه ليثبت إيمانه.

أما «الغائب» فهو فى ثقافة المصريين المسافر والمهاجر حتى يعود، وعند الشيعة هو من احتجب قروناً طويلة حتى يعود فيملأ الأرض عدلاً ونوراً.

يمنحنا الكاتب مفتاحين آخرين لروايته، التى صدرت عن دار مسكليانى للنشر بتونس، الأول حين يستعير مقطعاً من أشعار أمل دنقل فى مستهل روايته يقول: «كان يسكن قلبى/ وأسكن غرفته/ نتقاسم نصف السرير/ ونصف الرغيف/ ونصف اللفافة والكتب المستعارة». والثانى لمكسيم جوركى يقول: «فسألته، ويسوع هل يعود قريباً؟ فأجابنى: نعم، يعود قريباً، لأن الشعب على ما يتراءى لى يبحث عنه».

من هذا الكلمات المفتاحية يولد المعنى فى هذه الرواية، لذا نجدها توازى بين واقع مقبض يمضى فيه بطلها، وخيالات براح تمنحها مضاهاة حاله بحال عاشور الناجى، بطل «ملحمة الحرافيش» لنجيب محفوظ، ليس بالضرورة على مستوى الامتداد فى الزمن، أو تتابع الأجيال، لكن من خلال الاحتماء بأمثولة الناجى، باعتباره حامل الوعد، المنتظرة عودته.

لهذا جاء اسم بطل الرواية ليكون «يوسف الناجى»، بل يمعن الكاتب فيما يحمله اسمه من دلالة فيكون حفيد الشيخ «منجى»، ويمضى فى حال قاسية، مثلما كان الأبطال المتتابعون لـ«ملحمة الحرافيش»، حتى لو عاش بعضهم أياماً هانئة فى البداية. هكذا يكون أيضاً بطل رواية محمد موافى، إذ يولد فى شقاء مقيم، فقد تيتم من أمه وأبيه، فعاش فى كنف جده، وهو رجل حكيم صاحب خبرة وصبر، لكن حكمته وصبره لم تكن عاصماً لحفيده فى كل وقت.

الحفيد يعيش فى أحلام تتحول أحياناً إلى كوابيس، حين تطارده قوى قاهرة يدرك مع حضورها الطاغى وطغيانها الحاضر أنه فرد ضعيف هش لا حقوق له، وليس هناك من يعترف بكرامته، بل بإنسانيته، لهذا يتصاغر ويتضاءل أمام نفسه، منذ الوهلة الأولى، فها هو يقول عن نفسه فى مستهل الرواية: «الليلة وأنا أستحضر من حكاية طاهرة وأحمد الحموى، أفكر لو تحررت من كونى ذبابة أو قنفذاً أو خروفاً أو كلباً أو شخصاً بلا لون، أن أكتب بلا خجل، ولا يعنينى بحسب اصطلاح إمبرتو إيكو قارئ نموذجى سمع بتجارب مشابهة».

يمد الراوى خطوه بين مكانين، حماة والقاهرة، ليخبرنا أن الخوف والقلق، بل الفزع، مقيم معه أينما حلَّ، وفى تقلب أحواله بين صحو ومنام، وتذكر ونسيان، فهو يعانى فى أحلام تتحول إلى كوابيس، كما يعانى فى عيش صعب لا يضعه فى أول الطابور، ولا حتى منتصفه، تتعبه الحقائق التى يدركها، بقدر ما تضنيه الأوهام التى يسبح فيها، ولا يجد من دليل سوى جده، ذلك العجوز الذى عركته التجربة فيقدمها إلى حفيده نصائح لعلها تفيده، أو يعول عليها أن تحقق ذلك.

 

Rochen Web Hosting