العرب والفرس
منذ عصر النبي، صلى الله عليه وسلم، اتسمت العلاقة بين العرب والفرس بقدر واضح من التوتر والاضطراب. عرب الجزيرة من المسلمين كانوا أميل إلى الروم، إذ اعتبروهم مثلهم أهل كتاب سماوي، فيما كان الفرس أقرب إلى المشركين من العرب، إذ كانوا مثلهم وثنيين، فالعرب يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله، والفرس يقدّسون النار التي كانت ترمز من وجهة نظرهم للإله الذي يعبدونه. كان العرب منقسمين إلى حد ما إزاء موقفهم من الفرس، وقد سجل القرآن الكريم حالة الانقسام تلك في سورة «الروم».
فعندما انتصر الفرس على الروم، وكان النبي حينئذ لم يزل في مكة ولم يهاجر إلى المدينة، فرح المشركون، وعايروا المسلمين بأن الفرس الوثنيين هزموا الروم الكتابيين، وقد نزلت الآيات الكريمة من سورة الروم بهذه المناسبة تبشر بأن الروم سيعيدون الكرّة على الفرس خلال بضع سنوات وينتصرون عليهم.. قال تعالى: «غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ». ولما نزلت هذه الآيات، راهن أبوبكر الصديق واحداً من أشهر مشركي مكة وهو «أبي بن خلف» على أن الروم سينتصرون خلال تسع سنين، وكان الرهان على 100 بعير، فغلبه «أبوبكر»، ولم يكن الرهان ذلك الوقت حراماً، وقد انتصر الروم فعلاً (سنة 6 هجرية)، وهي السنة التي شهدت صلح الحديبية.
فكرة العرب المسلمين عن الفرس كانت سلبية، وظلت على هذا النحو حتى بدأت تأخذ في التغير والتحول بعد أن ظهر سلمان الفارسي على مسرح الأحداث، حضر «سلمان» إلى المدينة بعد أن ساعده النبي في التحرر من الرق، ودخل الإسلام سنة 4 أو 5 هجرية. قبل «سلمان» تعرّف المسلمون على رجلين ليس لهما أصل عربي؛ أولهما: بلال بن رباح الحبشي، وثانيهما: صهيب بن سنان أو (صهيب الرومي) الذي نُسب إلى الروم لأنه كان أسيراً لديهم وعاش سنين طويلة في كنفهم. أسلم الحبشي والرومي مبكراً، منذ أن جهر النبي بالإسلام داخل ربوع مكة، وكانا من المستضعفين الذين تعرضوا لأشد العذاب من جانب مشركي مكة حتى يعودوا إلى عبادة الأوثان، وثبت الاثنان على الإيمان ثبات المخلصين.
وفي مواقف عديدة ظهر المسلمون وهم يحتفون بالحبشة وأهل الحبشة ويمتدح النبي ملكهم النجاشي الذي آوى المسلمين المهاجرين إليه من ظلم صناديد الشرك بمكة، ومؤكد أن بلالاً كان يسعد بذلك، ويشعر بفخر الانتماء لأرض يحكمها ملك عادل، لكن اللافت أن بلالاً لم يكن من المهاجرين إلى الحبشة، رغم ما تعرض له من تعذيب شديد على يد أمية بن خلف. كان المسلمون أيضاً يفرحون لانتصارات الروم ويحزنون لهزائمهم، ومن الوارد أن «صهيب الرومي» كان يسعد بخروجه من بين قوم غير وثنيين، بل أصحاب كتاب سماوي، شأنهم شأن المسلمين.
ظل موقف المسلمين من الفرس سلبياً حتى دخل سلمان الفارسي الإسلام، حينها بدأت نظرتهم لهم تختلف، ودخلوا تحت مظلة الرضاء عنهم والاحتفاء بهم، مثلهم مثل الأحباش والروم، حين أصبح أحدهم جزءاً من تركيبة المسلمين.



