رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

حين تفقد القواعد معناها: أزمة النظام الدولي

قسم : مقالات
الخميس, 30 أبريل 2026 08:26

 

 

(1) معايير موحدة

ومساواة فى التطبيق

تعلمنا منذ طفولتنا المبكرة شيئا مهما: إذا أردنا أن نشارك أقراننا فى لعبة لا نعرف عنها شيئا، فعلينا أن نسأل عن قواعدها، فمَن يرد المشاركة فى لعبة عليه أن يعرف القواعد أولا، ثم يلتزم بها ثانيا، وإلا تعرض لمقاومة من اللاعبين الآخرين قد تنتهى بطرده من اللعبة.

ومن هنا جاءت فكرة وجود حكام لكل لعبة يرصدون مخالفات هذه القواعد بدقة، حين يكون اللاعبون منخرطين فى اللعب ولا يلاحظون كل التفاصيل. فينذرون المخالف بالطرد إذا تكرر عدم الالتزام بالقواعد أو المناكفة. وهنا يجب على الحكام التعامل مع جميع اللاعبين على قدم المساواة حتى يطمئن الجميع لنزاهتهم ويلتزموا بأحكامهم، وهو ما يحفظ للحكام هيبتهم ويعزز الثقة فيهم.

(2) حين يفقد الحَكَم مصداقيته

بعد الحرب العالمية الثانية أدرك العالم أن منظمة عصبة الأمم لم تنجح فى وقف الحروب؛ إذ كانت قوانينها ضعيفة نسبيا، ولم تكن ملزمة بشكل فعال للدول، خصوصا فى غياب آليات تنفيذ قوية.

وتأسست الأمم المتحدة بقوانين أكثر إلزاما، وأدوات لتنفيذ قراراتها، مثل قوات حفظ السلام والعقوبات الاقتصادية والتدخل عبر مجلس الأمن. وفى حين ركزت قوانين عصبة الأمم على منع الحروب، توسعت قوانين الأمم المتحدة لتشمل حقوق الإنسان والتنمية والبيئة والقانون الدولى وغيرها.

لقد وضع العالم بعد الحرب العالمية الثانية قواعد جديدة للعبة، تفادى فيها أخطاء العصبة؛ فلم يكن الهدف منع الحروب فقط، بل تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، مع الالتزام باحترام حقوق الإنسان والقانون الدولى.

لكن ما أصاب عصبة الأمم من عطب انتقل فى الآونة الأخيرة إلى الأمم المتحدة، التى أصبحت عاجزة إلى حد كبير عن اتخاذ قرارات ملزمة للدول الأعضاء، خاصة مع وجود حق النقض (الفيتو)، الذى يسمح لعدة دول بوقف القرارات وشل فاعلية المنظمة. ثم جاء الرئيس دونالد ترامب ليدق المسمار الأخير فى نعش فاعلية النظام الدولى، من خلال تجاوزه القواعد والمعاهدات المتفق عليها. وأصبح اللاعب المناكف، الذى يتعمد خرق القواعد دون قدرة الحكام على معاقبته نظرا لما يملكه من قوة عسكرية تفوق قدرتهم على الردع.

(3) ضحايا المعايير المزدوجة

منذ تأسيس الأمم المتحدة، شهد العالم خروقات عديدة لقواعد اللعبة قامت بها قوى كبرى، ولم يتم التعامل مع جميع الدول الأعضاء على قدم المساواة، بل وفقا لقوتها العسكرية ووزنها الإقليمى والدولى. ومع مرور العقود، تراجعت مصداقية الأمم المتحدة تدريجيا، حتى ظهرت هذه الإشكالية بوضوح أمام الرأى العام العالمى فى الحرب على غزة، حيث قامت إسرائيل بجرائم إبادة فى حق الفلسطينيين، ولم تُفرض عليها عقوبات، ولم تُحاصَر كما حدث مع دول أخرى بسبب الدعم الأمريكى والغربى لها.

وفى هذا السياق، كتب جوناثان جرانوف، رئيس معهد الأمن العالمى، مقالا فى مجلة نيوزويك الأمريكية، أشار فيه إلى أن حل الملف النووى الإيرانى يكمن فى الالتزام بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، باعتبارها الأساس القانونى للنظام النووى العالمى، حيث تنص المادة الرابعة منها على حق جميع الدول الأعضاء فى تطوير واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية.

وانتقد جرانوف مطالبة واشنطن لإيران بوقف التخصيب والاحتفاظ بمخزونها فى الخارج، معتبرا أن هذا يتعارض مع الحقوق التى تكفلها المعاهدة للبرامج النووية السلمية.

يقف العالم اليوم عند منعطف خطير؛ إذ تُدار اللعبة دون قواعد ملزمة للجميع، لكن وفق قانون القوة الغاشم، وهو ما قد يؤدى إلى مزيد من الحروب والدمار. لذلك تبرز الحاجة إلى وضع قواعد جديدة بمعايير واضحة، يتفق عليها الجميع، مع وجود آليات تضمن تطبيقها على جميع الأطراف دون استثناء.. ولنقل وداعا للأمم المتحدة.

 

Rochen Web Hosting