يصطادون في الماء العكر
تمر المنطقة حالياً بواحدة من أعقد فتراتها التاريخية، حيث تتشابك خيوط الصراع بين القوى الإقليمية والدولية فى مشهد تهيمن عليه المواجهة الإسرائيلية الأمريكية من جهة، والطموحات الإيرانية من جهة أخرى. وفى خضم هذه الأجواء المشحونة بالبارود والتوتر، تطل علينا جماعة الإخوان من جديد، محاولة استغلال هذه الظروف الاستثنائية كعادتها التاريخية، لممارسة هوايتها فى الصيد فى الماء العكر ومحاولة النيل من استقرار الدولة المصرية وتماسك جبهتها الداخلية. ولطالما كان ديدن جماعة الإخوان هو استثمار الأزمات لا لاحتوائها، بل لتأجيجها بما يخدم أجنداتها التنظيمية. واليوم نرى محاولات محمومة من منصاتهم الإعلامية بالخارج لتوظيف الصراع الإسرائيلى- الأمريكى- الإيرانى لتصدير خطاب التشكيك فى الموقف المصرى. إنهم لا يسعون لنصرة قضية أو حماية وطن، بل يهدفون إلى إحداث شرخ بين الشعب ومؤسساته الوطنية، مستغلين حالة القلق الطبيعى لدى المواطن من تداعيات الحرب الإقليمية. إن التحذير من هذه التحركات ليس مجرد رفاهية سياسية، بل هو ضرورة أمنية وقومية، فالتاريخ القريب أثبت أن هذه الجماعة ترى فى ضعف الدولة فرصة للظهور، وفى اضطراب الإقليم ثغرة للنفاذ. إنهم يراهنون على تزييف الوعى، حيث يحاولون تصوير الدولة المصرية فى موقف الضعيف أو المتفرج، متجاهلين الثقل الدبلوماسى والعسكرى الذى تمثله القاهرة كحجر زاوية لاستقرار المنطقة ومنع انزلاقها نحو حرب شاملة.
وفى ظل المواجهات العسكرية الحالية، تلعب الجماعة على وتر العواطف الدينية والقومية بشكل متناقض ومريب. فبينما يتباكون على القضايا العربية، نجد خطابهم يتماهى أحياناً مع الأجندات الإقليمية التى تهدف إلى تحويل مصر إلى ساحة للصراع أو ممر للأزمات. إنهم يمارسون ما يمكن تسميته بالإرهاب الفكرى، حيث يحاولون فرض وصاية على القرار السياسى المصرى، ودفع الدولة نحو مغامرات غير محسوبة تخدم أطرافاً خارجية، ضاربين عرض الحائط بمفهوم الأمن القومى المصرى الذى يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. إن استغلالهم ملف المساعدات الإنسانية أو الممرات الحدودية لإثارة البلبلة، وتصوير الإجراءات الأمنية السيادية كأنها تخاذل، هو قمة الفجور السياسى. فالدولة المصرية التى تحملت العبء الأكبر فى دعم القضايا العربية، لا تحتاج لشهادة من تنظيم تفرغ أعضاؤه للتحريض من عواصم الضباب والمنتجعات الخارجية.
أمام هذا الصيد الإخوانى فى الماء العكر، تقف الدولة المصرية باستراتيجية واضحة تعتمد على التوازن الدقيق والردع الفعال. إن مصر فى 2026 تدرك تماماً حجم الفخاخ المنصوبة فى المنطقة، فالدخول فى صراع مباشر بين القوى الكبرى والإقليمية هو ما يتمناه المتربصون لاستنزاف مقدرات الدولة.
الخطاب السياسى المصرى الحالى يتسم بالصراحة مع الشعب، ما يغلق الباب أمام التأويلات الإخوانية الخبيثة. ومن أخطر مظاهر تحركات الإخوان الحالية هو محاولتهم التمترس خلف القوى المتصارعة. فهم تارة يغازلون الجانب الإيرانى لابتزاز المحيط العربى، وتارة أخرى يستجدون التدخل الأمريكى تحت لافتات حقوقية كاذبة. هذا التذبذب يؤكد أن الجماعة ليست سوى أداة وظيفية فى يد من يدفع أو من يوفر الملاذ.
إنهم يحذرون من الحرب وهم وقودها، ويدعون للسلام وهم دعاة فوضى. إن صيدهم فى الماء العكر هذه المرة يستهدف ضرب النموذج التنموى الذى تشهده مصر، حيث يعلمون أن استقرار الاقتصاد المصرى ونمو الدولة يعنى موتا إكلينيكيا لمشروعهم الذى يتغذى على الفقر والجهل والاضطراب.
إن مواجهة سموم الإخوان فى هذه المرحلة تتطلب تضافر الجهود على كل المستويات. ويجب الاستمرار فى كشف الأكاذيب بالحقائق والأرقام، وتفنيد الخطاب الإخوانى المتناقض حيال الأزمات الإقليمية.
ولابد من حماية الأجيال الجديدة من الانزلاق خلف الشعارات البراقة على وسائل التواصل الاجتماعى، والتى تخفى خلفها أجندات هدم الدولة. إن جماعة الإخوان التى تحاول اليوم النيل من مصر فى ظل أجواء الحرب الدولية والإقليمية، هى جماعة تعيش خارج التاريخ. لقد أثبتت الأزمات المتعاقبة أن مصر تمتلك بوصلة وطنية لا تخطئ، وأن محاولات الصيد فى الماء العكر لن تزيد الشعب المصرى إلا تماسكاً خلف قيادته وجيشه.



