رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

التعتيم الإعلامي الإسرائيلي (2)

قسم : مقالات
الجمعة, 10 أبريل 2026 13:35

 

 

إن الدول في حالة الحرب لا تترك إعلامها بحرية تامة، للحفاظ على سرية العمليات العسكرية، وضمان فاعلية الخداع، وإخفاء أنواع الأسلحة المستخدمة في القتال، وقبلها الخطط والنوايا أو الأهداف. ولم تكن إسرائيل في حروبها السابقة استثناءً من هذه القاعدة أو هذا التقليد العام، الذي عمل على «تحديد الحقيقة»، لكنها لم تمارس الرقابة من قبل بهذه الصرامة الشديدة، بل كانت تفتح مساحة تعبير لتحقيق بعض الأهداف، منها: فرض معادلة الردع على الخصوم، وممارسة الحرب النفسية عليهم، وإشراك الداخل في الانشغال بالمعركة، لاسيما أن الجيش الإسرائيلي يعتمد كثيراً على قوة الاحتياط، ويعبّئ موارد الدولة كاملة حول العسكريين في الحروب.

وربما أسهم عاملان أساسيان في فرض الحكومة الإسرائيلية التعتيم الإعلامي الشديد، هذه المرة، الأول هو: طول أمد الحرب، منذ «طوفان الأقصى» وإلى الآن، وهو ما لم تعتده إسرائيل التي كانت تميل إلى الحروب الخاطفة. ففي مثل هذه الحالة تتوالى الخسائر، تعلو وتهبط ثم تصعد من جديد، مما يجعل الحقيقة ضاغطة أكثر على أعصاب الجيش والمجتمع الإسرائيلي معاً، وقبلهما حكومة نتنياهو.

والثاني هو: أن إيران والمقاومة اللبنانية امتلكتا في الحرب الحالية قدرة على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي، ونقلتا المعركة، عبر الصواريخ والمسيرات، إلى داخل أرض إسرائيل نفسها، لتكسر قاعدة «الحرب خارج الحدود» أو «الحدود الآمنة» التي عاشت تل أبيب في كنفها عقوداً من الزمن.

 

لكن هذا التعميم، وبمفهوم المخالفة، يُظهر صعوبة الحرب التي خاضتها إسرائيل، وهي مسألة لم تكن خافية على المقاومة، ولا المحللين العسكريين والسياسيين، وربما يُزاح الستار يوماً عما تم إخفاؤه، إن وضعت الحرب أوزارها تماماً، وبدأ الحساب.

 

ومعالجة هذه النقطة يجب ألا تُهمل ما يسمى بـ«النصر التليفزيوني»، فمنذ أن قرأت في كتب صحفيين وباحثين غربيين عما سموه «النصر التليفزيوني» صرت حذراً من ألوان الدعاية أثناء الحروب، متمهلاً، على قدر الاستطاعة، في الحكم على ما يجرى، لاسيما في ظل تعتيم لا مثيل له تمارسه إسرائيل؟

 

مع هذا نحن نستشف ما يجرى من بعض ما يفلت من الألسنة، فها هو نتنياهو قد قال خلال حرب غزة: «خسائرنا فادحة». وسمعنا صحفياً إسرائيلياً يقول لـ«الجزيرة» الإنجليزية «كأننا في غزة». وزاد هذا مع صواريخ إيران وحزب الله، حتى إن صحيفة «هآرتس» قالت بوضوح: إذا استمرت حكومة نتنياهو حتى عيد الفصح في العام المقبل ستكون إسرائيل قد انتهت.

 

في الوقت نفسه فإن إيران تلقت ضربات موجعة، لكن جغرافيتها وثقافة شعبها يمكن أن تساعداها على التحمل فترة أطول، وهذا لا يتوافر لإسرائيل ذات الجغرافيا الضيقة.

 

سمعنا تل أبيب تقول «أجواء إيران مفتوحة أمامنا».، وسمعنا طهران تقول «لم يعد للدفاع الإسرائيلي أي دور حقيقي، وأجواء الأرض المحتلة مفتوحة أمامنا». وهذا طبيعي، في ظل الحروب النفسية، لكن الحكم على ما يجرى في الواقع يتطلب قدراً من التمهل.

 

الحقيقة الوحيدة الآن، وقد ثبتت بالبرهان على الوجوه كافة، هي أن إسرائيل لا تستطيع أن تحارب وحدها، وأنها لم تحقّق ما تريد على مدار 77 عاماً، وإلا لضاعفت جغرافيتها، فهي ما إن تحتل جزءاً حتى تضطر إلى تركه من فعل المقاومة أو الحروب المضادة، حتى في عُقر الدار، أي أهل فلسطين الباقين في الضفة وغزة وداخل إسرائيل نفسها.

 

هكذا فعل العرب في ظل ضعفهم وانقسامهم وبينما بأسهم بينهم شديد، فما بالنا لو اتحدوا أو نسّقوا مواقفهم، ليس بالضرورة من أجل حرب، إنما لموقف فيه تمسّك بالحقوق العربية، وإبقاء فلسطين قضيتهم المركزية.

Rochen Web Hosting