جنون الحرب والإبداع والفنون
وكأنما تعاقبنا الحروب على مر العصور على ضعفنا وفشلنا في منع اندلاعها، وتقاعسنا وعدم اعترافنا بأنها تخلِّف ضحايا وراءها بخلاف دمار المدن والمنشآت والمنازل، والأسر التي تنتهي بأكملها، والصغار والأمهات والجنود والأطباء وكل من يشاركون فيها، تعاقبنا عندما تعلم بأقلام سوداء لا تمحى علاماتها في نفوس المبدعين والمؤلفين والكتاب، ويسجلون تلك الأحداث الدامية كل بموهبته، لتظل هذه الكلمات التي تحكي، والموسيقات التي تتحول لكلمات وإيحاءات، والمشاهد الموثقة، شاهدة على ظلم الإنسان وقسوته وجبروته.
وبالرغم من تحول الحروب إلى برامج بث مباشر على الهواء، وكأن المشاهدين مشاركون فعليون فيها، بعد ما وصلت إليه التكنولوجيا، فإن الفن يلعب دوراً كبيراً وهاماً، فحتى الآن تظهر أفلام ومسلسلات أجنبية تتحدث عن الحربين العالميتين الأولى والثانية، وعن أهم العمليات فيهما، والأبطال الحقيقيين الذين شاركوا في الانتصار، بل والهزيمة أيضاً، لأن تلك الأفلام تتحدث بوضوح وصراحة عن كل ما جرى في هذه الحروب، وعن الآثار النفسية التي تعرض لها المراهقون والزوجات والأطفال وكبار السن الذين لم يشتركوا في المعارك ولا المؤتمرات التي عقدت من أجل وقف إطلاق النار، أو إبرام معاهدات السلام، وتبادل الأسرى، لم يشتركوا في أي شيء، إلا أن أبناءهم وأحفادهم ومنازلهم التي عاشوا فيها وسجلوا ذكرياتهم على جدرانها ومدنهم التي ولدوا فيها قد اختفوا، فأصبحوا هم أيضاً من الضحايا.
وقبل أن نسأل أنفسنا إن كان السينمائيون العرب والإيرانيون سينجحون في تسجيل تلك الحرب المجنونة اللامنطقية حتى لا ينساها المؤرخون، فمن الممكن أن نستعرض أهم الإبداعات التي خرجت من الحربين العالميتين الأولى والثانية، فقد أنتجت معاناة تلك الحروب أفلاماً عن الحرب ووقائعها، وأفلاماً عن أسرى الحرب، وعن قصص الحب التي عاشتها النساء مع أزواجهن الذين غادروها لخطوط القتال وعاد بعضهم وفُقد الآخر، ففي تلك الأحداث تتحول المشاعر وتتبدل وتكتسي بألوان مؤلمة وتصبح الكوابيس هي الأحلام الوحيدة التي تراودهم.
لقد شاهد العالم فيلم Band Of Brother، الذي يحكي قصة مجموعة من المظليين من معسكر تاكو حتى يوم الإنزال في نورماندي لعملية «ماركت جاردن»، وحتى نهاية الحرب.
ومن أجمل ما أنتج من أفلام The Best Year of our lives - 1946، الذي تناول تأثير الحرب العالمية الثانية على ثلاثة جنود عادوا من الحرب، والذي حصل على جوائز أحسن فيلم ومخرج وممثل وسيناريو ومونتاج وموسيقى تصويرية.
ومن الأفلام الخالدة الممتعة فيلم «Trol Trol»، الذي يتناول الهجوم الشهير على القاعدة البحرية في بيرل هاربر، ويتمتع هذا الفيلم بالواقعية في تفصيل الهجوم وسياقه، كما أن اسمه هو الرمز الحربي الياباني الذي استخدم للدلالة على الهجوم، وقد اعتبره النقاد سرداً موثقاً لحادثة تاريخية مفصلية في الحرب العالمية الثانية، حيث تعكس أحداثه الموت والدمار الذي أوقعه الهجوم عام 1941.
أما فيلم «The Bridge» عام 1959 فهو أحد الأفلام القليلة التي تصور فترة الحرب دون أي نوع من الدعاية أو الأيديولوجيات أو الفروقات السياسية، وهو من إخراج الممثل (برنارد ديكي) الذي يصور كيف أن الأولاد الألمان في سن المراهقة تركوا وحدهم للقتال حتى الموت، فيوضح الفيلم جنون الحرب، ويلقي الضوء على الدور الذي يلعبه المراهقون في السياسة والمجتمع أثناءها، وذلك على عكس غالبية أفلام الحرب، فلا يمجد للانتصار بل يستعرض المذاق المرير للهزيمة. وفي تاريخ سينما الحروب العالمية يظل فيلم «أطول يوم في التاريخ، ووداعاً للسلاح، وذهب مع الريح في الصدارة»، وما زال محبو ذلك النوع من الأفلام يبحثون عنها ويشاهدونها.



