العلاقة بين السياستين الداخلية والخارجية
أتذكر جيدًا ذلك اليوم الذى كان يوزع فيه الدبلوماسى الراحل أسامة الباز وكيل معهد الدراسات الدبلوماسية آنذاك موضوعات الأبحاث على الدبلوماسيين الجدد الذين التحقوا بوزارة الخارجية فى عامى 1966 و1967 بقرار جمهورى فى الأولى وباجتياز امتحان الملحقين الدبلوماسيين فى الثانية، وترك لنا الدكتور أسامة الباز بانفتاح شديد اختيار الموضوعات التى يفضل كل منّا أن يكتب فيها، واخترت يومها لبحثى الأول العلاقة بين السياستين الداخلية والخارجية للدول المختلفة، ثم أردفت بعدها عنوانًا للبحث النهائى حيث كتبت فى موضوع كان يبدو من الإرهاصات الجديدة فى ميدانه تحت عنوان (التقارب الأمريكى السوفيتى وتأثيره على أزمة الشرق الأوسط) وكان ذلك فى أواخر ستينيات القرن الماضى حيث بوادر لما سمى بالديـتانت detant، أى التقارب بين الكتلتين فى ظل الحرب الباردة التى كانت تبدو ملامح نهايتها فى الأفق القريب بعد ذلك بذوبان الجليد بين المتحاربين وظهور بوادر التحول الاقتصادى والسياسى للاتحاد السوفيتى السابق، ويومها تحمس أستاذنا أسامة الباز لموضوعى قائلاً: إن لك فيه ميزة نسبية، حيث إنك عملت فى منظمة الشباب وكان لك احتكاك واضح بالشارع المصرى من خلال مسئوليتك عن ملف التثقيف لمحافظة القاهرة، وقد عكفت على ذلك البحث باهتمام شديد ضمن الموضوع الذى اخترته وباركه الدكتور الباز وخلصت إلى عدد من النتائج المهمة، فى مقدمتها أن هناك تجانسًا كاملاً لكل دولة بين السياستين الداخلية والخارجية فلم نسمع عن دولة فيها انفتاح سياسى وتحول ديمقراطى إلا وكانت سياستها الخارجية متناغمة مع هذا الانفتاح متأثرة به، ولعلنا نتذكر الآن أن الرئيس الراحل السادات عندما تولى الحكم بعد رحيل الرئيس عبدالناصر أدرك أن الولايات المتحدة الأمريكية تملك الأوراق الرئيسية فى حل أزمة الشرق الأوسط ومعالجة الصراع فيه، لذلك اتجه وقتها إلى تغييرات داخلية على الساحة السياسية المصرية لتتواءم مع المناخ الدولى للغرب فسعى إلى إقامة المنابر السياسية وفتح بعض النوافذ الديمقراطية متماشيًا مع ما يتطلع إليه حتى تكون لديه أوراق اعتماد جديدة يتقدم بها عهده الوليد على نحو يرضى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها، بينما كان الأمر فى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر هو الأخذ بالتفكير المركزى والتنظيم السياسى الواحد، وغير ذلك من مظاهر العصر الناصرى بكل ما له وما عليه، وقد استنتجت فى نهاية دراستى فى ذلك البحث الأول فى المعهد الدبلوماسى أنه يستحيل أن تكون هناك دولة انفتاح يسودها مناخ الحريات، بينما تكون سياستها الخارجية مغلقة وعنصرية ومتقوقعة والعكس بالعكس، إذ لا توجد دولة تأخذ بضمانات حقوق الإنسان وحرية الأفراد إلا وتبدو منفتحة خارجيًا ومتواصلة مع العالم بشكل صحى سياسيًا لا تشوبه الأوهام ولا تؤثر فيه الهواجس، ولقد أخذ العالم بعد ذلك بمنطق القانون الدولى الإنسانى الذى أصبح يقبل تدخل الدول الخارجية فى الشأن الداخلى لدولة ما رعاية للحريات أو حفاظًا على حقوق الإنسان أو حتى صيانة للبيئة، فلقد سقطت الحواجز وأصبحت السياسات الداخلية للدول كما نرى قضايا مطروحة على الساحة العالمية والمسرح الدولى بل استخدمت الدول الكبيرة قضايا حقوق الإنسان وغيرها من الأطروحات الجديدة للعالم المعاصر لكى تضغط على النظم بل الشعوب أيضًا لتحقيق أهدافها، وما زلت معتزًّا بأبحاثى الأولى فى صدر الشباب، حيث كتبت دراسة فى مادة قاعة البحث عام 1964 تحت مظلة دروس التنظيم الدولى التى كان يدرسها لنا الدكتور بطرس بطرس غالى - رحمه الله - وقد اخترت يومها موضوعًا يدور حول كتاب أم القرى عن التنظيم الإسلامى الواحد، كما دعا إليه عبدالرحمن الكواكبى ابن حلب الشهباء والمدفون فى مصر التى قضى فيها أزهى أيام عمره قبل أن يموت مسمومًا بإيعاز من الخليفة العثمانى، ثم كان البحثان اللذان تحدثت عنهما فى هذه النقاط الموجزة حول العلاقة بين السياسة الداخلية والخارجية فى جانب وموضوع التقارب الدولى فى العلاقات الدبلوماسية على جانب آخر، لقد كانت تلك خطوات أولى لدبلوماسى شاب فى مطلع حياته!



