«وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ»
أشعل «ذو نواس» المحرقة وألقى فيها بالمؤمنين من أهل نجران، ووقف يشاهد والناس من حوله يتفرجون، منهم من يزيد النار اشتعالا، ومنهم من يشاهد ويأسى، ومنهم من ينظر ولا يبالي بما يرى، تستطيع أن تستخلص هذه المعاني من قوله تعالى: «النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ».
ووسط هذا الجحيم كان المؤمنون يقولون كلمتهم الأخيرة في الحياة، ويسيرون مطمئنين نحو ربهم الرؤوف الرحيم.
انتهى هذا المشهد الرهيب بلحظة من لحظات الإحساس الواهم بالقوة عاشها «ذو نواس» الرجل، الذي شعر أنّ بإمكانه قهر مجموعة من الضعاف الذين لا يملكون حولا ولا قوة على ما يريد، ولم يدرك معادلة الحياة البسيطة التي تقول «إن القوى فيه الأقوى منه»، والمعادلة الإيمانية العميقة التي تقول إنّ الله وحده هو القاهر فوق عباده، وإن حكمته سبحانه قد تقتضي في أحوال أن يسلط عباده على بعضهم البعض، ليحقق في الكون نوعا من التعادلية التي تؤدى إلى العدل.
ذلك ما حدث مع «ذي نواس» الذي انتقم من مجموعة من المستضعفين حاولوا أن يفهموه في لحظة أنّ الدنيا لا تقبع عند أطراف أصابعه كما يتوهم، وأنّ الأمور يمكن أن تفلت منه في لحظة، لحظة عدل يتحول فيها من «شاهد» فاعل قادر إلى «مشهود» مقهور مفعول به.
وقد جاءت هذه اللحظة عندما قرر أحد الناجين من محرقة نجران التحرك إلى روما ليستنجد بإمبراطورها، راعي المسيحية في العالم، على «ذي نواس» الذي أهلك المؤمنين من أبناء جلدته.
سار الناجي الوحيد من المحرقة واسمه «دوس ذو ثعلبان» حتى أتى قيصر ملك الروم فاستنصره على «ذي نواس» وجنوده -كما يحكي «ابن كثير» في «البداية والنهاية»- وأخبره بما بلغ منهم وذلك لأنه نصراني على دينهم، فقال له: بعدت بلادك منا، ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنّه على هذا الدين وهو أقرب إلى بلادك، فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره، فقدم «دوس» على «النجاشي» بكتاب قيصر فبعث معه سبعين ألفا من الحبشة.
كل قوى وهناك من هو أقوى، وأي قوة تختبر نفسها لا بد أن تخسر، لقد أحس «ذو نواس» بفائض قوته أمام المستضعفين من أهل نجران فأشعل فيهم نار غضبه فسلط الله عليه من هو أقوى منه، فحين وصل «دوس» إلى «النجاشي» وعلم منه ما وقع لنصارى نجران اهتز قلبه وانفجر بركان غضبه وقرر أن يسير جيشاً قوامه 70 ألفا بقيادة واحد من أكبر عسكرييه وهو القائد «أرياط» وكان معه في الجيش القائد الشهير أبرهة الأشرم.
أمام هذا الجيش العرمرم تحول «ذو نواس» من «شاهد» إلى «مشهود» وبات فُرجة للعالم، فقد تمكن جيش الحبشة من محاصرته، ومزق جنده في كل اتجاه، وبات «ذو نواس» على مرمى خطوة من القبض عليه.
يقول «ابن كثير»: «فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجّه فرسه في البحر ثم ضربه فدخل فيه، فخاض به البحر حتى أفضى به إلى غمرة فأدخله فيها، فكان آخر العهد به ودخل أرياط اليمن وملكها».
لقد انتحر «ذو نواس» غرقا في البحر وبات مشهودا لكل ذي عينين، وهو الذي كان بالأمس شاهدا على التجبر بالقوة.



