رئيس مجلس الادارة
رئيس التحرير
ميرفت السيد
ترخيص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 2022/31

الشارعُ.. مقياسُ الحضارة

قسم : مقالات
الجمعة, 25 سبتمبر 2026 09:57

 

 

بدعوة طيبة من نادى روتارى الشروق، دُعيتُ لأتحدث عن «سلوكيات الشارع المصرى». وبينما أتحدثُ، وجدتُنى أتحدثُ عنّا نحن، لا عن الشارع. فالشارع ليس إلا مرآة لعلاقتنا ببعضنا البعض. كيف نقيسُ حضارة مجتمع؟ بعدد ناطحات السحاب؟ بحجم اقتصاده؟ بعدد جامعاته ومتاحفه ومطاراته؟ باتساع شوارعه، وأناقة ميادينه؟ ربما. لكن هناك مقياسًا آخر، أكثر صدقًا وأسرع حكمًا: انزلْ إلى الشارع.

راقب الناسَ وهم يعبرون الطريق، يقفون فى طابور، يقودون سياراتهم، يتعاملون مع عامل نظافة، أو سيدة مسنّة، أو طفل. راقب كيف يتصرف الإنسان حين لا تكون هناك كاميرا فوق رأسه، ولا عينٌ تراقبه، ولا عقوبة تنتظره. هناك، فى تلك التفاصيل الصغيرة، بوسعك أن تقرأ «قانون الأخلاق» الذى يحكم المجتمع. فالشارع لا يكذب، مهما تَجمّل. الشارع هو المختبر الحقيقى للضمير، الذى تظهر فيه طبيعة علاقتنا بالآخر.

وجعلتُ كلمتى على هيئة بعض الحكايا.

= حكاية الطابور. الطابور ليس مجموعة بشر تنتظر فى صفٍّ، بل هو اختراعٌ حضارى عظيم يقول: أنت لست أهم من الشخص الذى أمامك. حين أحترم دورى، فأنا أتنازل عن امتياز اسمه: «أنا أولى»، وأعترفُ بأن للآخر حقًا مساويًا لحقّى. لذلك، مَن يتخطى الطابور لا يسرق مكانًا؛ بل يصرخ صامتًا: «أنا أهم منكم!».

= حكاية المرور. هناك مَن يتعامل مع الإشارة الحمراء باعتبارها «اقتراح»، لا «قانون». وهناك من يستعمل الكلاكس، ليعلن للعالم أنه موجود. وهناك من يدخل حارة معاكسة، ثم يغضب لأن الآخرين لم يفسحوا له! وفى مقال قادم سوف أحكى لكم حكاية أمى، مع الوزير العظيم «أحمد رشدى» رحمه الله.

= حكاية الرصيف والنهر. اِختُرع الرصيف ليحمى الإنسانَ من «نهر الطريق». اسمه نهر لأن السيارات تُبحر فيه كما تُبحر المراكبُ فى البحار. ولا أحد يمشى فى النهر. لكننا نفعل. لعلّنا الشعب الأوحد الذى لا يخاف السيارات ويُبحر معها فى النهر بكل أمان وأُلفة. وحين يقع الحادث، لا قدّر الله، نلوم السيارة، رغم أنك مَن دخلتَ عرينها.

= حكاية النظافة. الست الجميلة التى تنظف بيتها وتجعله «على سنجة ١٠»، ثم تنفض سجادتها من البلكونة: نقول إنها «ست نضيفة»، جعلت بيتها «يُبرق». لكنها نقلت غبار بيتها إلى ملكية الآخرين. فهى لا تشعر أن الشارع يخصها، فما خارج بابنا لا يعنينا. تلك قضية وعى بالانتماء والملكية المشتركة وحق الآخر.

= حكاية الصوت. صوت الهاتف، والكلاكس، ومكبرات الصوت، والأغانى فى الأماكن العامة، والكلام بصوت مرتفع، وحفلات الزفاف التى تجعل الشارع كله معزومًا رغم أنفه! وضع الهاتف الصامت Silent، فى ثقافة اليابانيين اسمه Manner Mode، أى وضع التهذّب أو الأخلاق. فهناك حقوقٌ لا تحتاج إلى مادة فى القانون، لأنها مكتوبة فى «قانون الأخلاق». فحين أرفعُ صوتى، فأنا لا أستخدم صوتى؛ بل أقتحم المساحة السمعية لإنسان آخر.

= حكاية المرأة فى الشارع. وهذا حديث ذو شجون يستحق مقالا مستقلا.

= حكاية الكود المصرى. كودنا المصرى الراهن، هل يمكن مقارنته بكود أجدادنا القدامى وحتى الخمسينيات الماضية؟ هذه قضية تأمل ودراسة. ماذا طرأ علينا ليتبدّل كود الأخلاق المصرى فى التعامل مع المجال العام.

= حكاية الإنصاف. لكى أكون منصفة، لابد أن أذكر أن الشارع المصرى ليس كله سلبيات. فهناك إشراقات تدلُّ على جمالنا الفطرى المطمور تحت طبقات التعجّل والركض وراء لقم العيش العصية. كم مرة رأينا رجلًا يوقف سيارته ليساعد غريبًا، وشابًا يقوم من مكانه لكبير فى السن، وامرأة تسند امرأة لا تعرفها، وشخصًا يفتح الطريق لسيارة إسعاف؟ الشهامة المصرية حاضرةٌ وأصيلة. لكن التحضر ينبغى أن يغادر خانة «الفرد»، ليتحول إلى قاعدة أصيلة وثقافة عامة.

ومن الإنصاف كذلك أن نسأل: هل نُحمّل الفرد وحده مسؤولية كل شىء؟ بالطبع لا. فالمدينة تصنع جزءًا من سلوك سكانها. إذا شُغلَ الرصيف، فأنت تُجبر المشاة على السير وسط السيارات. وإذا كان القانون موجودًا ولا يُطبَّق، فأنت تشارك فى صناعة الفوضى. السلوك ليس «جينات موروثة» بل مِراسٌ وتعلّم. نتعلمه من القانون، والمدرسة، والأسرة. ومن الناس حولنا. فالجمال عدوى، مثلما الفوضى عدوى. والحضارة أيضًا عدوى. الحضارة ليست فى شواهق المبانى، بل من المسافة التى بينى وبين الآخر. هل تلك المسافة يسكنها احترامُ الآخر؟ أم عدم الاكتراث؟

= حكاية القانون والضمير. نحن أبناء «ماعت»، ربّة الضمير والعدالة. القانون يقول لك: لو فعلت ستُعاقب. أما الضميرُ فيقول: لن تخطئ وإن اختفى العقاب. فالحضارة تسكنُ المنطقة التى لا يستطيع القانون أن يصل إليها.

مقام السؤال:

إذا اختفت الكاميرات، هل يحضر الضمير؟ وإذا كان الشارع مرآة لا تجامل، فماذا تقولُ مرايانا؟

 

Rochen Web Hosting